Create your own web pages in minutes...
Copyright 2006-2007 for Fr. Silouan Oner
لماذا الحوار؟

    تأتي "العقيدة" من الاعتقاد بالشيء والإيمان به. وخلال تعلّم الإنسان وعيشه في هذه الحياة تتراكم مجموعة من الحقائق لتشكل في النهاية خلاصة فكر هذا الإنسان أي عقيدته، وهي بشكل أو بآخر قابلة للتبدل والتغيّر، ما دام الإنسان يعيش على هذه الأرض ويتعلّم ويختبر مما من حوله، وأيضاً لكون الأمر الذي يعتقد فيه غير ثابت.
    يشكّل هذا الموضوع أمراً هاماً في العالم بالعموم وفي الكنيسة المسيحية بالخصوص، ففي القرون الأولى احتاجت الكنيسة، بخبرة عيشها مع الله، أن تعبّر عن إيمانها الواحد   بخبرات مختلفة أساسها عيش الإنسان مع الله وفهمه لهذه العلاقة، ولكن بعد فترة من الزمن اختلفت هذه الخبرات، لا لأن الله يتغير لا بل لأن الإنسان كائن متغير، إذ تغيّره عن ما يريده الله منه جعل هذه العقائد تتغير مع الزمن، بإرادة بشرية أم بإرادة شيطانية، لا أجزم لكن تجوز الاثنتان، ففي الحالة الأولى تدخل أهواء الإنسان وضعفاته الكثيرة، وفي الثانية تدخل رغبة الشيطان في محاولة تدمير علاقة الله بالإنسان بأن يدمّر صورة الله الحقيقية في ذهن الإنسان.
    تمزّقت جماعات كثيرة عن الكنيسة وتفرّقت لا بل وتحاربت خلال العصور الماضية، وما زالت، ولكن ظهر الحوار بين هذه الجماعات أو بينها وبين الكنيسة، وإذا راقبنا هذه الحوارات نلاحظ أنها تملك شيئاً إيجابياً إذ كسرت حدّة الصراع وفتحت المجال أمام تقبّل الأطراف لبعضها، ولكنها أحياناً تخرج عن المقبول أو المألوف لأنها لم تعد تستطيع، أو لا تريد أو لا تستطيع، أن تحقق هدفها الأساسي، بأن يزول الخلاف.
    وهنا لدي سؤال: إذا تشكّلت لجماعة أو كنيسة ما عبر مئات السنين عقيدةٌ ما وكَتَبَتْ عنها الكتب والمقالات والبحوث والدراسات، هل تستطيع القول بأن أجدادها كانوا على خطأ أو لم يملكوا الحقيقة؟. أتمنى أن تفعل هذه الجماعات هذا الأمر، ولكني أراه صعباً جداً وعلى درجة الاستحالة.
    إذاً لماذا الحوار؟
إذا كان كل طرف سيحاور الثاني ليقنعه بما يؤمن ويحاول أن يضمّه لجماعته أو كنيسته، لا يكون هذا حواراً إنما تبشيراً.
إذا كان أي طرف يسعى في الحوار أن يظهر ضعفات الآخر ويقول له بأن إيمانه ناقص فهذا ليس حواراً بل تشويهاً.
إذا كان أي طرف يتسابق ليقتنص من الآخر شيئاً في الحوار، أو شيئاً ما على أرض الواقع، فهذا أيضاً ليس بحواراً بل اقتناصاً.
إذا كان أي طرف يسعى في حواره أن يقول أنه فقط يملك الحقيقة كاملة ويحاول أن يفرضها على الجميع بدون محبة، فهذا ليس حواراً إنما انحيازاً متعالياً، لأنه بذلك يضع نفسه مكان الله، عليه أن يقدّم الحقيقة الكاملة للآخر وبمحبة، التي من خلالها سيقتنع بلا شك.
    كل جماعة أو كنيسة تملك عن إيمانها الكثير من الكتب والحجج المقنعة، المكتفية بها، فالذي يشك بمعتقدات جماعته أو كنيسته فليقرأ عن إيمان الآخر، الذي يظنه صحيحاً، وليعش ضمن هذه الجماعة وليختبر إيمانه الجديد وليتعلم أكثر من الكتب ومن الآخرين الذين عاشوا قبله هذا الإيمان، فهو بحريته يختار ويحصد نتائج ذلك.
    أما إذا كان الحوار من أجل كسر الجفاء أو زيادة المحبة أو حل بعض المشاكل العملية المشتركة أو دراسة مشاكل عالمية أو التعارف على مشاكل بعضنا من أجل مساعدة الطرف الأول للآخر فهذا جيد ولكنه برأيي لا يسمى حواراً إنما لقاءاً.
    في حين يؤكد بولس الرسول في رسالته الثانية إلى تيموثاوس: "وَالْمُبَاحَثَاتُ الْغَبِيَّةُ وَالسَّخِيفَةُ اجْتَنِبْهَا، عَالِماً أَنَّهَا تُوَلِّدُ خُصُومَاتٍ" (2تيمو 23:2) أن الحوار لمجرد الحوار والمنافسة يؤدي إلى خلافات وخصومات أكبر.
    يحدث الآن على شبكة الانترنت مناقشات كثيرة وكبيرة وأحياناً حادة بين جماعات أو أفراد أو كنائس مسيحية مختلفة، ونرى بأن كل واحد يتمسك بإيمانه معتقداً أنه فقط يعرف ويملك الحقيقة وأن الآخر جاهل ولا يفهم ولا يرى، أقول لهم إذا تصرّفنا بهذه الطريقة فنحن لا نعيش مسيحيتنا بحق، لأننا بذلك نكون قد أسقطنا المحبة، أسمِع رأيك للآخر واسمع رأيه بدون تهكمات أو تهجّمات عندها وفقط يدرك أنك تملك الحقيقة لأنك تملك المحبة.
    يؤكد بولس الرسول في رسالته إلى تيطس بطلان الحوارات التي تأخذ شكل المنازعات: "الْمُبَاحَثَاتُ الْغَبِيَّةُ وَالأَنْسَابُ وَالْخُصُومَاتُ وَالْمُنَازَعَاتُ النَّامُوسِيَّةُ فَاجْتَنِبْهَا، لأَنَّهَا غَيْرُ نَافِعَةٍ، وَبَاطِلَةٌ" (تي 9:3).
    أرجو على من يتحاوروا في موضوع ما أن يترفّعوا ويرتفعوا عن طريقة التبشير أو التشويه أو الاقتناص ويكونوا بمستوى الحوار الإيجابي البنّاء، الكل يعبّرون عن آرائهم والكل مجبرون، بالمحبة، أن يسمعوا آراء بعضهم البعض، لأنهم فعلاً يريدون أن يلتقوا بمحبة لا أن يتصارعوا ويغلب الواحد الآخر.
الأرشمندريت سلوان أونر
اليونان