Create your own web pages in minutes...
Copyright 2006-2007 for Fr. Silouan Oner
مشيئة الله
"كل الأشياء تعمل معاً للخير، للذين يحبون الله"
(رو28:8)

       شعر بولس الرسول، الذي عرف عمق الأسرار السماوية وصعد إلى السماء الثالثة، بالاندهاش عندما تحدث عن مشيئة الله وأحكامه، كمن ينظر إلى الهاوية، وانذهل عندما حاول البحث عن عمق معرفة مشيئة الله وحكمته. وعند انذهاله توقف فورا عن البحث وقال: "يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه. ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء لأن من عرف فكر الرب أو من صار له مشيراً"(رومية33:11-34)ِ
       فإذا كان بولس الرسول قد واجه مشيئة الله بهذه الطريقة فلماذا نتعب عبثاً محاولين أن نفسر ما لا يفسر، وأن ندرك ما لا يُدرك؟، ولنتذكر في حيرتنا هذه ونقول ما قاله صاحبُ المزامير: "أحكامك لجّة عظيمة" (مز6:35)ِ
       يقول أيضاً داود النبي: "أحمدك من أجل أني قد امتزت عجباً (مز14:139) (وفق ترجمة عرمان: "فأنا أحمدك لأنك رهيب وعجيب في إبداعك") ماذا تعني كلمة"عجباً"؟ نحن البشر هناك أمور كثيرة تثير إعجابنا كالأعمدة المزخرفة، أو لوحة رسم جميلة، أو أجسام نضرة. وتعجُّبُنا هذا لا يترافق مع الخوف. ولكن عندما نرى البحار الواسعة نتعجب من لجتها العميقة، ومجرد أن نفكر بعمقها يمتلكنا الخوف. خوفٌ مشابه تملّك النبي عندما فكر أن ينظر حكمة الله الغير المدركة والمطلقة فأصيب بالدوار والدَّهَش وارتعب وعاد إلى الخلف صارخاً: "أحمدك من أجل أني قد امتزت عجباً" (مز14:139). وفكر بذاته وقال: "عجيبة هذه المعرفة، فوقي ارتفعت، لا أستطيعها" (مز6:139) (وفق ترجمة عرمان: "معرفتك عجيبة جداً تفوق طاقتي وفي غاية الصعوبة فلا أستطيع إدراكها")ِ
       يرتب الله للنفوس المؤمنة بأن تأخذ الأمور السيئة نهاية محمودة. لنأخذ أمثلة من الكتاب المقدس
قصة يوسف،    قصة يعقوب،   قصة موسى و هارون،   الفتية الثلاث،   اضطهاد المسيحين
_انظر في الأسفل_
تدخُّل الله في الوقت المناسب
لن أغفل عن ذكر حكمة أخرى تربوية لله: لا يتدّخل الله مباشرة عندما نتعرض لتجارب أو مصاعب، بل يتركنا لنجاهد قليلاً ثم يقوم بإعجوبته. لماذا يفعل ذلك؟ حتى يحمينا من نكران المعروف. لأننا نحن البشر عادة عندما تعبر الأحزان، ننسى مرارتها وننسى الله الذي خلصنا منها. ومرات كثيرة نظن أننا بقوتنا تجاوزناها. لذلك يسمح الله بالبداية أن تأتينا التجارب ثم يأتي ويخلصنا منها.ِ
على سبيل المثال، عندما هدد الفلسطينيون بني إسرائيل وأخافهم جلعاد، أراد الله أن يدخل داوود بالمعركة وينتصر ولكن لم يطبق مخططه فوراً. انتظر أن يمضي أربعون يوماً. وخلال هذه الفترة دعا ذلك الجبار لمحاربته، شتم مستهزأً اليهودَ الذين ارتعبوا من الخوف. لكن لم يتجرأ أحد أن يتحداه بسبب الخوف. كلهم طلبوا أن يخلصوا. وعندما أدركوا ضعفهم وأنهم خاسرون، أهدى الله النصر لداوود. مات المغرور جلعاد والفلسطينيون تخشّعوا.ِ
وسائل الله
اعتدنا في الحالات الطارئة أن نفكر بشرياً ونقدم حلولاً سطحية. على سبيل المثال نقول: "إذا هاجمنا العدو فجأة ولم يكن جيشنا مستعد، سيأسروننا ويدمروا بلدنا". ماذا تظن؟ ألانك لا تطارد العدو ألا يطارده الله؟ أو ألانك لست حاضرا في كل مكان، كذلك الله؟ أو ربما أن الله قادر على أشياء ويعجز أمام أخرى؟
بالرغم من أن البحر الأحمر ليس حي، إلا أنه سمع أمر الله وابتلع المصريين. بالرغم من أن السمك لا عقل له سمع من الله ودخل في شبكة بطرس. يستطيع ملاك واحد بأمر من الله أن يدمر كل أعداء المؤمنين. ألم يحدث شيء مماثل في زمن أليشع؟
ظن رجل كنعاني نفسه أنه إنسان عظيم، وأنه جندي مهم، أعني سيسرا (قضاة 5) الذي كُتب عنه في سفر المزامير: "افعل بهم كما بسيسرا كما بيابين في وادي قيشون" (مز9:83). كان يابين ملكا على كنعان وسيسرا رئيساً للجيش. ارتعب بنو إسرائيل عندما رأوا الجيش الكبير مع التسعمائة مركبة حديدية لسيسرا. عندها تكلم الرب بلسان النبية دبورة، إذ دعت حاكم اليهود وقالت له: "لا تخف، الله سيوقع سيسرا بين يديك. لكن الفخر سيكون لمرأة. نعم امرأة ستقتله".(قضاة 4). فعلاً قتلته ياعيل. أرايت كيف عوقب على تعجرفه؟ قُتل من امرأة. أسلمه الله إلى نوم عميق، حتى استطاعت ياعيل أن تغرس في صدغه وتد الخيمة ويموت.ِ
عندما يريد الله أن يساعدنا لا يوقفه شيء. يكفيه سلاح واحد، أو رجل مرسل، أو إيماءة منه للتغلب على أقوى الأعداء. دعونا نصلي للرب قائلين: "يا رب قل كلمة فيتبدد أعدائك، وتخلص مدينتك. قل كلمة فينتصر شعبك". لنقُل كما قال داوود النبي:   "فهوذا أعداؤك يعجّون (أي يفسدون العالم) ومبغضوك قد رفعوا الرأس" (مزمور2:83). عندها يكفي امرأة واحدة مثل ياعيل أو مثل دبورة أو مثل تلك المرأة المجهولة التي ضربت بحجر الرحى الملك ابيمالك، الذي قتل أخيه، ليتحقق النصر.ِ
لدى الرب طرق خاصة متعددة لخلاصنا، إذ يعطي لكل واحدة حاجته، لأننا جميعاً بحاجة لدواء ما. "من يقول: أني زكيت قلبي؟ أو تطهرت من خطيئتي؟" (أمثال 9:20).ِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قصة يوسف
بيع يوسف ابن يعقوب من قِبَل إخوته، وانتهى به الأمر في مصر في بيت فوطيفار (خصي فرعون رئيس الشرط). أما زوجة فوطيفار فكان لديها أفكار شريرة تجاه يوسف. في النهاية أزلّته وأرسلته إلى السجن. ظنت أنها فعلت به شراً. ولكن بالنتيجة كان السجن أكثر أماناً وهدوءً من منزل فوطيفار. إذ بالرغم من وجود الرفاهية في ذاك البيت، لكن يوسف كان يعيش فيه بخوف مستمر من التهجمات المعيبة للوحش الفاجر(زوجة فوطيفار). صراعه كان أكثر عذاباً من حياة السجن. ففضّل العيش مع اللصوص على امرأة متوحشة. كان السجن مريحاً له على قاعدة تفكيره بأنه موجود فيه كي لا يخسر طهارته، بينما خشيَ أن يخسر نفسه إن بقي بقربها أكثر. وهكذا بالحقيقية هو لم يدخل السجن بل تحرر منه. إنفصل عن سيده الأرضي، فوطيفار، ولكنه تقرّب أكثر من سيده السماوي، الله
باعه إخوته قديما لتجار إسماعيليين. بالحقيقة هم أفادوه إذ تحرر من شرّهم ومضايقاتهم اليومية. هل يوجد أسوأ من العيش مع إخوة يحسدونك ويعاكسونك و يتآمرون عليك؟ أرادوا أن يفعلوا به شرّاً ولكن الله حوَّل الشرَّ إلى خير.
لاحقا عندما نسيه رئيس السقاة، صار له خيراً إذ أصبح سجنَه أمراً شكلياً أكثر لا بل تكريماً. لم تُعطى له الحرية بفضل رحمة بشرية بل من العناية الإلهية. أخرجه فرعون من السجن لأنه احتاجه ليشرح له أحلامه. هكذا أخرجه ليس كملك يقدم حسنة لا بل كملك يتقبلها. فلم يُرد الله ليوسف أن يُحسن إليه كعبد، بل أن يظهر أمام فرعون كأنه مُحسن له، وأن يساعده في حاجته ويظهر له حكمته
لهذا السبب نسيه رئيس السقاة، حتى يتعرف عليه فرعون، وحتى لا تخسره مصر. لأنه لو تذكره رئيس السقاة أمام فرعون لخرج باكراً من السجن، وعاد إلى وطنه. وهكذا كل المعوقات -عمله في بيت فوطيفار و السجن- أبقته هناك ليحقق مشيئة الله

قصة يعقوب
لنتفحص بدقة أكثر حياة والد يوسف أي البطريرك يعقوب. حسده عيسو أخوه وطلب أن يقتله، مما دفعه أن يخرج من وطنه. ماذا حدث له عندها؟ أولاً خرج من الخطر إلى الأمان والهدوء. لاحقاً، تعلّم أن يستوعب الأمور وبالتالي صار أكثر حكمة. وبالنهاية استحق أن يرى ذلك الحلم العجائبي المتعلق بالسلّم (تكوين12:28-15
لكن ستقولون لي أنه عمل وتعب في بلد غير وطنه، في بلاد ما بين النهرين. ووجد في البداية امرأة، راحيل، ليتزوجها، وكسب عطف حماه لابان، ولكن لابان خدعه وزوّجه ابنته الكبرى ليئة بدل راحيل. ولكن ما حدث أفاد يعقوب لأن راحيل كانت عاقر أما ليئة فأنجبت له أولاد كثر (تكوين 29
لاحقاً كرهه لابان، والكره هذا صار له خيراً، إذ كان سبباً ليعود إلى وطنه. ولو لم يواجه مشاكل في بلاد ما بين النهرين لما افتكر في أرض كنعان. أما لابان فقد أمسك عنه أجرة أتعابه وهذا لم يؤذه أبداً، بل صار أكثر غنىً من لابان والد زوجتيه
حسناً، ماذا نرى؟ نرى أنه بقدر ما نواجه عوائق وأعداء، بقدر ما نتحسن. لو لم يأخذ بالبداية ليئة زوجة له، لما كان لديه أولاداً بهذا العدد، بل كان سيبقى لسنوات عاقراً بدون أولاد وحزيناً، كما حدث مع راحيل. ولو لم يحتفظ لابان بإجرته، لما حنَّ إلى وطنه، وما كان قريباً جداً من زوجاته، وما عاد بعزّة وإكرام إلى أرض كنعان، ولما كان قابل في الطريق الملائكةَ لا بل الله بذاته

قصة موسى
أمر فرعون أن يُرمى أولاد العبرانيين في النهر. لو لم يحدث هذا لما كانت ابنة فرعون أنقذت موسى ولا كان تربى في القصر. هكذا يرتب الله الأمور ليرينا حكمته وقدرته الدائمة على إيجاد الحلول للمشاكل التي لا حل لها أو مخرجاً للتي لا مخرج لها
أحد العبرانيين، لاحقاً، أجاب موسى مهدداً: "ألعلك تريد قتلنا أيضاً". هذا قد أفاده، لأنّ موسى خاف وقرر أن يغادر مصر. وهكذا ذهب إلى صحراء سيناء. لم يعش فقط بعيداً عن خطر المصريين، بل هدئ روحياً وازداد حكمة واستحق أن يرى تلك الرؤيا العجائبية للعلّيقة الملتهبة وأخذ المهمة المقدسة لإنقاذ شعبه من عبودية المصريين
هارون
حدث شيء مشابه مع هارون (عدد 16-17)، عندما وقف قورح وبعض رؤساء شعب إسرائيل ضده، مشككين باستحقاقه الكهنوت، أكد الله استحقاقه بالعجيبة التي بها جعل العصا تزهر ومجّده

الفتية الثلاث
لنتذكر الآن الفتيان الثلاثة. فمعهم نال الشيطان صفعة كبيرة، ماذا يعني؟؟ انقلبت الوسيلة التي حارب بها المؤمنين ضده وقضت على قوته. و يحدث هذا لا لأنه يريد ذلك بل لأن الله الكثير الحكمة وجّه الأمور في ذلك الاتجاه، أي بأن تتحول خدعه وأسلحته ضده. وضع الشيطان في فكر ذلك الطاغية نبوخذنصّر أن لا يقطع رؤوس القديسين وأن لا يرميهم للوحوش، بل أن يحرقهم بالنار. لماذا بالنار؟ كي لا يبقى أي شيء منهم، بل تختفي كل أجسادهم،  وأن يمتزج رماد عظامهم مع رماد الخشب المحترق. لكن الله استعمل هذه الوسيلة ليغلب الفجور ويهزم العبادة الوثنية. فجعل أجسادهم لا تحترق بالنار، معلماً البرابرة أن النار لا تخاف الله فقط بل عبيده أيضاً

اضطهاد المسيحيين
أيضاً، في زمن الاضطهاد، ماذا حدث؟ توجّه المضطَهدون بجنون لا يصدق نحو المسيحيين. ورغم كرههم وخبثهم وتدميرهم الوحشي الكبير، كانوا أضعف من خيوط شبكة عنكبوت أمام ابناء الله، فتبددوا أسرع من الدخان، وتبعثروا أسرع من الغبار. ونتيجة عدائهم للمسيحيية كانت اغتناء الكنيسة بعدد كبيرة من الشهداء. وامتلاكها كنوزاً حية أزلية، تقدم لنا البركات السماوية الغنية
يظهر الله قوته، خصوصاً، عندما تزداد محاربة الأعداء لعبيده المؤمنين
عندما تربّع على الجاحد يوليانوس (361-363) عرش المُلك، ذاك الذي فاقَ كل الكافرين بكفره، حدثت أشياء مشينة كثيرة
أول صيرورته ملكاً، حدثت مجاعة كبيرة في المدن. بداية سيئة لملك سيء
لاحقاً، عندا أعطى الأمر بإعادة بناء المعبد اليهودي في أورشليم، لكي يكذّب النبوءة عن المسيح، فجأة اشتعلت النيران واحترق المبنى بالكامل من أساسه فخاب أمله
وأيضاً، محاسبه وعمه، الذي يدعى أيضاً يوليانوس، عندما تجرأا على تدنيس الأواني المقدسة معاً، عوقبا من الله ليكونا أُمثلة: الأول امتلئ جسده بالقروح والدود والثاني خرجت أحشائه من جسده، وماتا موتاً مخيفاً
أيضاً، جفت الينابيع في الأماكن التي قُدمت فيها ذبائح للأوثان. كعلامة من الله. فالله يعمل في حالات خاصة، عندما يزداد الشر، و عندما يسيء عبيده التصرف، عندها يُظهر قدرته
الأرشمندريت سلوان أونر
اليونان