جرت العادة عند إنضمام أحدهم إلى الكنيسة الأرثوذكسية أن يتابع - في أحسن الأحوال- ولفترة زمنية معينة التعليم المسيحي. ودون الدخول في أسباب تحوله إلى الأورثوذكسية ولنفترض في أحسن الأحوال أنه وجد فيها الإيمان الحقيقي، فإنه سيتعلم بإختصار عن تعليم الكنيسة عقائدياً وتاريخياً. ويمكننا القول: نشكر الله على كل شيء
يتعلم المؤمن الجديد عن العقيدة والعبادة واللاهوت الأورثوذكسي، ولكن يفوته الكثير من الأمور التي يمكن أن يتعلمها في تنشئته المسيحية الأرثوذكسية منذ الصغر. ففي زيارته الأولى لأحد الأديار يقف عند بعض الأمور والممارسات مندهشاً وقائلاً: "لم يعلمني أحد هذا الأمر"، والحقيقة أنه مهما تعلمنا الكثيرة من الأمور عن الكنيسة والإيمان إلا أن الكثير منها يأتي عبر النمو والعيش داخل الكنيسة و هذا بمعنى أو آخر ما نسميه "التقليد الكنسي
يلعب الجد أو الجدة أو الأب أوالأم، في العائلات المسيحية، التي تربي أطفالها على الإيمان، دورهاً هاماً إذ يشكل الواحد منهم المعلم الأول للإيمان، وذلك بغض النظر عن كونهم متعلمين أوغير متعلمين، بل المهم أنهم يعيشيون الإيمان. من الممكن أن لا يعرفوا شرح الأمور لاهوتياً ولكن ورعهم وإيمانهم أقوى من التعليم اللاهوتي. تسمى الأمور التي نتعلمها من جدتنا بــ "لاهوت الجدة". ورغم أن بعضاً من هذه الأمور تشوبها قصص خيالية وغير مدرجة في دروس اللاهوت إلا انها تشكل عيش الإيمان واقعياً وبشرياً وتعطي صورة عن الحياة المسيحية الأورثوذكسية
أود أن أعرض بعضاً من الممارسات التي هي في محلها تماماً. منها ماهو مكتوب في دفتر "لاهوت الجدة" وأخرى بالتأكيد مدونة في الكتب الكنسية المستخدمة أورثوذكسياً، أو موجودة في قوانين الكنيسة
علامة الصليب
جرت العادة بأن يتم رسم علامة الصليب عندما نمر من أمام كنيسة أو مقبرة أورثوذكسية، أو عندما نبدأ بعمل جديد، أو نبدأ برحلة ما بالسيارة أو بالطيارة أو بالقطار....إلخ ولكل واحدة منها معنى، فعند المرور من أمام الكنيسة فإننا نرسم إشارة الصليب كدلالة على إحترامنا لهذا المكان المقدس، أما من أمام المقبرة فإننا برسم الصليب نصلي للموتى: "أرح يا رب عبيدك الراقدين ها هنا"، وعند بدئنا برحلتنا فإننا نطلب بركة الرب كي ترافقنا في سفرنا
تكريس بيت جديد أو سيارة أو ملابس
عند شراء سيارة جديدة لا نعرضها أولاً للأصدقاء والأقارب بل نأتي بها للكاهن لكي يباركها، بهذه الصلاة يتم مباركة السيارة لإستخدامها والمحافظة على سلامة ركابها
نحن نعرف أن الكاهن يبارك البيوت في عيد الظهور الإلهي (الغطاس)، ولكن بحسب "لاهوت الجدة" فإنها لا تنتقل لتسكن في البيت قبل أن يأتي الكاهن ويباركه ويصلي للذين بنوه. حتى أنه يوجد صلاة تتم عند وضع أساسات البيت (قبل أن يبنى
عيد الشفيع
اعتدنا في عيد شفيعنا أن نشارك في القداس الإلهي مصلين لشفيعنا وطالبين للمحتفلين بالعيد سنوات حياة عديدة. ولكن هناك شيء آخر: تبارك الكنيسة ما يسمى بــ"الكوليفا" (وهي قمحية مسلوقة مع الكثير من المكسّرات) توضع على طاولة صغيرة وبعد القداس الإلهي ترتل الجوقة طروبارية القديس المحتفل به ويصلي الكاهن على الكوليفا مباركاً إياها. وبعد ذلك يقوم الشخص المحتفل بتوزع هذه الكوليفا على المؤمنين الحاضرين. و بالإضافة لذلك جرت العادة أن يقدم الشخص المحتفل بعيد شفيعه تقدمات للكنائس أو الأديار أو الفقراء بإسم شفيعه، وبهذا تعلمنا الكنيسة عمل الرحمة وإعطاء الصدقات
العراب
للعراب مسؤوليات كثيرة تجاه الطفل وأهمها أن يصلِّ له، وأن يعلمه الإيمان المسيحي الأورثوذكسي، وأن يقدم له الكتب والأيقونات وأن يذكره بعيد شفيعه، وأن يشاركه في مناسباته الخاصة (عيد الميلاد، النجاح في المدرسة أو الجامعة...)، أن يأخذه للكنيسة ويحثه على المناولة المقدسة المستمرة...إلخ. ولكن الكثير من العرابين يطالبون أن يقوموا بأكثر من ذلك، وهم على حق فالقانون الكنسي يعطي الأحقية للعراب أكثر من الأب الجسدي. وعلى العراب واجبات مادية ايضاً فمثلاً: كما على الأب الجسدي مسؤوليات مادية اتجاه ابنه في يوم ولادته كذلك على العراب مسؤوليات مالية اتجاه ولادة ابنه الروحية وذلك بكل ما يتعلق بمصاريف العمادة
الأيقونات
نحن نعلم أننا نكرم الأيقونات فنضعها في كنائسنا وبيوتنا وحتى في سياراتنا. وعلينا أن نتذكر دوما بأنها مقدسة ويجب معاملتها بطريقة محترمة. فالكثير من القديسين ماتوا في سبيل إكرام الأيقونات، وعلينا بدورنا أن نكرمها وننتبه أين نضعها فلا نضعها على الطاولة التي نشرب عليها القهوة أو على الأرض أو في الحمام
وهناك أيضاً الكثير من نشرات الكنائس أو المجلات وغيرها من المطبوعات التي تُرسَم فوقها أيقونات. وهي لا تزال أيقونات فيجب عدم رميها في القمامة أو تمزيقها بشكل سيء بل علينا حرقها ودفن رمادها في تراب نظيف
الصلاة من أجل الموتى
هناك طريقة مميزة في الكنيسة الأورثوذكسية للصلاة من أجل الموتى. فعندما يموت شخص نقول: "الله يرحمه" أو "الله يغفرله". وهي عبارة مؤثرة جداً، والكثيرون يعرفون أنه يوجد خدمة خاصة بدفن الموتى، وأيضاً نستطيع ذكر أسماء الراقدين في الذبيحة الإلهية، ويمكن أن نطلب في أي وقت من السنة أن يصلي الكاهن في المقبرة ما يسمى "التريصاجيون" وجرت العادة أن يقدم الناس عن راحة موتاهم أيقونة أو شمعدان أو أي شيء للكنيسة عن راحة موتاهم وحتى البعض يبني كنيسة
التقدمات عن راحة الموتى تقدّم في أي يوم من بعد الوفاة بفترة. وفي بعض القرى الأورثوذكسية يقدمون للمعزين معجنات وأطعمة وحلوى عن راحة المرحوم والذي يأخذها يقول: "الله يرحمه" أو "الله يغفر له
يؤكد القديس أفرام السوري: "يشعر الراقدون بالصلاة وبالتقدمات التي تقدم عن راحتهم
بالنهاية من بعض ما يميز الكنيسة الأرثوذكسية أنها تملك تقليداً معاشاً محسوساً يمس جوانب الحياة الكنسية ومرتبط بكثير من جوانب الحياة اليومية، هذا التقليد على رغم بساطته أو تسميته من البعض "دفتر الجدة" (بالمعنى السيء) إلا أنه يجعل العيش داخل الكنيسة شيئاً حيّاً وليس جامداً
الأرشمندريت سلوان أونر
اليونان