- المنارة الأرثوذكسية - http://www.almanarah.net/wp -

تأمل في عظة الفصح للقديس يوحنا الذهبي الفم

المسيح قام… حقاً قام

القديس-يوحنا-الذهبي-الفم [1]

من كان حسن العبادة ومحباً لله فليتمتع بحسن هذا الموسم البهيج. من كان عبداً شكوراً, فليدخل إلى فرح ربه مسروراً. من تعب صائماً, فليأخذ الآن أجره ديناراً. من عمل من الساعة الأولى, فلينل اليوم حقه بعدل. من قدم بعد الساعة الثالثة فليعيّد شاكراً. من وافى بعد الساعة السادسة, فلا شك إنه لا يخسر شيئاً. من تأخر إلى الساعة التاسعة, فليتقدم غير مرتاب. من وصل الساعة الحادية عشرة, فلا يخف الإبطاء فإن السيد كريم جوّاد, يقبل الأخير مثل الأول, و يريح العامل من الساعة الحادية عشرة مثل العامل من الساعة الأولى. يرحم الأخير, و يرضي الأول. يعطي ذاك, و يهب هذا. يقبل الأعمال, و يسر بالنية. يكرم الفعل, و يمدح النية. فادخلوا إذاً كلكم إلى فرح ربكم. أيها الأولون و الأخيرون، خذوا أجوركم. أيها الأغنياء و الفقراء, اطربوا معاً فرحين. أمسكتم أو توانيتم, أكرموا هذا النهار. صمتم أم لم تصوموا, افرحوا اليوم. المائدة مليئة فتمتعوا كلكم, العجل سمين وافٍ فلا يخرجنّ أحد جائعاً. تمتعوا كلكم بوليمة الإيمان. تمتعوا كلكم بوليمة الصلاح. لا ينوحنّ أحدٌ عن فقر. فإن المملكة العامة قد ظهرت. لا يندبنّ أحد على إثم. فإن الفصح قد بزغ من القبر. لا يخف أحد الموت, فإن موت المخلص قد حررنا. فإنه أخمد حين قبض الموت عليه, و سبى الجحيم بنزوله إليه, مرمره لما ذاق جسده. هذا ما سبق إشعيا و نادى به قائلاً: تمرمر لما التقاك أسفل. تمرمر لأنه بطُل. تمرمر لأنه هزىء به. تمرمر لأنه قد أميت. تمرمر لأنه قد أبيد, تمرمر لأنه قد ربط. تناول جسداً فصادف إلهاً, تناول أرضاً فألفاها سماء. تناول ما نظر, فسقط من حيث لم ينظر. أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا جحيم؟ قام المسيح و أنت صرعت. قام المسيح و الجن تساقطت. قام المسيح و الملائكة جذلوا. قام المسيح و الحياة انبعثت. قام المسيح من الأموات فصار باكورة الراقدين. فله المجد و العزة إلى دهر الداهرين آمين".

كثيراً ما أردت أن أكتب شيئاً عن عظة الفصح للقديس يوحنا الذهبي الفم التي تُقرأ في صلاة الفصح المجيد. نقرأها لأنها تحمل الكثير من التعزية والأمل والقوة لكي نتابع جهادنا الروحي، فتساعدنا على فهم أمراضنا الروحية وتدفعنا كي نصححها بالتوبة والحياة مع المسيح، وتعطينا مدى فاعلية القيامة في حياتنا، سنتأمل بكل مقطع على حدة:

"من كان حسن العبادة ومحباً لله فليتمتع بحسن هذا الموسم البهيج"

أي كل الذين يحبون الله من كل قلوبهم ومن كل نفوسهم ومن كل قدرتهم، لأن المحبة الحقيقية هكذا تعني، فليتمتعوا بهذه اللحظات المشرقة لعيد الفصح.

"من كان عبداً شكوراً, فليدخل إلى فرح ربه مسروراً"

أي كل عبد للسيد، وهو مسيحي، ويميل إلى فعل الصلاح والخير فليدخل، وهو ممتلئ بالفرح، إلى العشاء الإلهي الذي يهبه المسيح القائم.

"من تعب صائماً, فليأخذ الآن أجره ديناراً"

الذي تعب من الصوم، وخيراً فعل، فليتمتع الآن بمكافأته بمشاركته العشاء الإلهي والمناولة المقدسة، بالتالي يصبح وارثاً لملكوت السماوات.

"من عمل من الساعة الأولى, فلينل اليوم حقه بعدل"

الساعة الأولى في التوقيت البيزنطي هي الساعة السادسة صباحاً بحسب توقيتنا، فالذي أتى الساعة السادسة صباحاً، أي منذ بداية حياته، وتبع السيد وخدمه كعبد أمين فلينل اليوم المكافأة السماوية التي يستحقها.

"من قدم بعد الساعة الثالثة فليعيّد شاكراً"

الذي يدخل الإيمان والتوبة بعد الساعة التاسعة صباحاً، أي وهو في عمر الحداثة فليشترك فرحاً بهذا العيد الخلاصي، عيد القيامة.

"من وافى بعد الساعة السادسة, فلا شك إنه لا يخسر شيئاً".

الذي يأتي إلى الإيمان بعد الثانية عشر ظهراً، أي في عمر الشباب، في الأربعينات أو الخمسينات، فلا يشك أن المسيح سيقبله، فهو لن يُعاقب ولكن على العكس سيكافأ.

"من تأخر إلى الساعة التاسعة, فليتقدم غير مرتاب"

الذي يتأخر في إيمانه بالمسيح حتى الساعة الثالثة بعد الظهر، أي إلى شيخوخته، فليتقدم للمسيح بدون شك أو خوف، لأنه أيضاً سيكافأ وسيشترك في المائدة الملآنة مجاناً، المائدة الأرضية للعشاء السري ومائدة ملكوت السموات الفردوسية، فلنشدد على آبائنا وأجدادنا والجدات أن يتوبوا لأن الوقت لم ينتهِ، ولنقل لهم أن الموت آتٍ فما دام لدينا الآن وقت فلنتب ونعترف بخطايانا ولنتناول القربان المقدس لأنه هكذا تتحقق إمكانية أن نرث ملكوت السموات.

"من وصل الساعة الحادية عشرة, فلا يخف الإبطاء فإن السيد كريم جوّاد"

الذي يأتي إلى الإيمان في الساعة الخامسة من بعد الظهر، أي في اليوم الأخير من حياته، فلا يخف لأنه غير معقول أن لا يقبله، رأينا أناس كثراً عند مناولتهم في اللحظات الأخيرة من حياتهم يزرفون الدموع الكثيرة يتوبون عن خطاياهم ويقدمونها لله الرحيم، المليء محبة وتسامحاً، الذي لا يمكن لعقل بشري إدراك رحمته.

"يقبل الأخير مثل الأول, و يريح العامل من الساعة الحادية عشرة مثل العامل من الساعة الأولى"

بما أن الله كريم في عطاياه وفي مواهبه فهو سيكافئ الجميع الذين أتوا متأخرين مثل الذين أتوا أولاً، فلنتذكر ذاك المثل عندما أخذ السيد يكافئ العملة الذي عملوا في كرمه، حيث أخذهم للعمل بأوقات مختلفة في الساعة الثالثة والسادسة والتاسعة والحادية عشر، وظن الذي عمل منذ الصباح وتحت حر النهار كله، أي جاهد في حياته كلها بأنه سيكافئ أكثر من الذي أتى الساعة الحادية عشر، أي في اللحظة الأخيرة من حياته، طبعاً لا لأن الفردوس هو للجميع، لص اليمين صرخ: "اذكرني يا سيد متى أتيت في ملكوتك"، إيمانه بأن الذي يصلب معه هو المسيح السيد، ولأنه شعر بأنه خاطئ وطلب من الرب فقد كافئه السيد وجعله أول الساكنين في الفردوس. كان لص اليمين سارقاً وقاتلاً وشخصاً سيئاً جداً إنما دخل أولاً ملكوت السموات وذلك بسبب توبته وهذا ما نحن بحاجة إليه، فليطمئن كل الذين يأتون في نهاية حياتهم إلى الإيمان والتوبة وأيضاً الذين يخدمونه منذ الصغر لأنهم جميعاً سينالون الملكوت بالتوبة.

"يرحم الأخير, و يرضي الأول. يعطي ذاك, و يهب هذا"

هو يرحم الذي أتى آخراً ولكنه يهتم بالذي يأتي أولاً ويملّكه، يعطي الأخير ولكنه يمنح الأول هبات عظيمة أي نعمه ولكن الفردوس هو واحد لجميع الذين يخلصون.

"يقبل الأعمال, و يسر بالنية. يكرم الفعل, و يمدح النية"

هو يقبل كل عمل فاضل ويهتم بكل نية بشرية للخير، هو يقدّر كل عمل صالح ولكن يقبل أيضاً كل محاولة بسيطة لعمل صالح أو لتوبة أو لكل عودة إلى الله وهو يمتدحها وهي حسنة في عينيه. هو ينير كل إنسان ويدفعه للتوبة وينتظر أن يحول الإنسان كل نية صالحة إلى عمل خيّر في حياته وإن كان في اللحظة الأخيرة من حياته كي يخلص.

"فادخلوا إذاً كلكم إلى فرح ربكم. أيها الأولون و الأخيرون، خذوا أجوركم"

فندخل جميعاً إلى الفرح الذي يهبنا إياه الله، وكل الآتين أولاً بعمر الشباب أو آخراً أي بآخر العمر فليأتوا ويأخذوا أجورهم، الكل سيكافئون في ملكوت السموات.

"أيها الأغنياء و الفقراء, اطربوا معاً فرحين. أمسكتم أو توانيتم, أكرموا هذا النهار. صمتم أم لم تصوموا, افرحوا اليوم"

أي كل الأغنياء والذي عاشوا براحة في حياتهم مع الفقراء يفرحون بفرح واحد لعيد قيامة السيد، وكل الذين جاهدتم واستطعتم أن تطوّعوا أهوائكم وتخلصتم منها وحولتموها لفضائل، وأيضاً الذين ظهرتم كسالى في تحقيق الفضيلة ستكرمون يوم قيامة السيد، لأنكم إن كرّمتم هذا اليوم سيؤول لكم بالفائدة الروحية من أجل خلاصكم، وكل الذين صانوا وصية الصوم على قدر طاقتهم وكل الذين لم يصوموا لأن لديهم مشاكل صحية أو لأنهم متقدمون في العمر أو لأسباب أخرى كثيرة يجب أن يفرحوا بهذا اليوم، لا أن يهتموا بالطعام فقط أو أن يأكلوا لحماً حتى في يوم الجمعة العظيم بل أن يفرحوا بالعيد بعد أن يصوموا صوماً واعياً نابعاً من حالة الإنسان الجسدية وليس نابعاً من رغباته.

"المائدة مليئة فتمتعوا كلكم"

المائدة مليئة بالعطية الإلهية فتصرخ الكنيسة "اشربوا منه كلكم" فلنستعد لأن نشترك بالجسد والدم.

"العجل سمين وافٍ فلا يخرجنّ أحد جائعاً"

العجل هو السيد الذي قدم ذاته ضحية من أجلنا فأخذ خطايا العالم، فهو الحمل المذبوح الذي لا ينفذ أبداً عندما يقدّم مجاناً للكل، فلا يسمح لأحد أن يخرج من الكنيسة جائعاً بل يجب أن يشبع من جسد ودم السيد، ويكون هذا الشبع روحياً داخلياً تشعر به بعد المناولة المقدسة وعندما تغادر الكنيسة شبعاً ستستطيع نقله للآخرين بكلامك وبتصرفاتك وبطريقتك وبابتسامتك وبكل طريقة تستطيع فعلها.

"تمتعوا كلكم بوليمة الإيمان. تمتعوا كلكم بوليمة الصلاح"

أي الجميع مدعوون كي يتمتعوا بالوليمة كعطية منحنا إياها بالسيد من نبع صلاحه.

"لا ينوحنّ أحدٌ عن فقر. فإن المملكة العامة قد ظهرت"

لا ينُح أحد على فقره الروحي لأنه ظهر من خلال قيامة السيد أن ملكوت السموات هو ملك للجميع، بالتالي من كان منا فقيراً يصبح بالمسيح الساكن فيه غنياً ويصبح أكبر الأغنياء عندما يرث ملكوت السموات لأنه سيصبح شريكاً مع السيد في ملكوته.

"لا يندبنّ أحد على إثم. فإن الفصح قد بزغ من القبر"

على الجميع أن لا يفقدوا الأمل وأن لا يحزنوا على خطاياهم مهما كانت كبيرة أو صغيرة لأن الذي قام من بين الأموات قد أخذها معه وسامحنا عنها، ولكن يكفينا أن نطلب الغفران من الكنيسة بواسطة القبر، الذي بزغ منه السيد، المسيح القائم من بين الأموات، أي المائدة المقدسة في الكنيسة، ومن القبر الآخر أي من تحت بطرشيل الكاهن عندما يعترف الإنسان بخطاياها فيقوم من تحت البطرشيل بدونها.

"لا يخف أحد الموت, فإن موت المخلص قد حررنا"

الموت هو ربح كما يقول عنه القديس الرسول بولس، فنحن لا نخاف الموت لأن سيدنا قد انتصر عليه بقيامته وأصبح واضحاً لنا ضعفه وكيف نستطيع التغلب عليه أي بالإيمان بيسوع المسيح الذي غلب الموت، ولكن مع ذلك ينتابنا الخوف، لأننا خطاة، لذلك ليس لنا سوى أن نطلب الرحمة من الله صارخين: "يا رب يسوع المسيح ابن الله ارحمني أنا عبدك الخاطئ"

"فإنه أخمد حين قبض الموت عليه, و سبى الجحيم بنزوله إليه, مرمره لما ذاق جسده. هذا ما سبق إشعيا و نادى به قائلاً: تمرمر لما التقاك أسفل. تمرمر لأنه بطُل. تمرمر لأنه هزىء به. تمرمر لأنه قد أميت. تمرمر لأنه قد أبيد, تمرمر لأنه قد ربط"

السيد الذي نزل إلى الجحيم انتصر عليه وبيّن لنا هشاشته، أخذ منه كل سلطانه كل هيبته وكل قوته، فمرمر السيدُ الجحيمَ عندما ابتلع الجحيمُ السيدَ، وهذا ما تنبأ به أشعياء النبي: "الجحيم من أسفل تمرمر(ارتعد) منك عند قدومك" (أشعياء 9:14)، فهو تمرمر عندما التقى السيد أسفلاً في الجحيم، تمرمر لأن السيد أبطل سلطانه، تمرمر لأنه هزئ به، تمرمر لأنه قد أميت، تمرمر لأنه قد أبيد, تمرمر لأنه قد ربط.

"تناول جسداً فصادف إلهاً، تناول أرضاً فألفاها سماء"

الجحيم استقبل جسداً ظاناً أنه ككل أجساد البشر ولكن عندما استقبل جسد المسيح وجد نفسه أمام الله، فالمسيح ليس إنساناً فقط بل هو إلهاً متأنساً، هو استقبل أرضاً أي جسداً ولكنه وجده الإله السماوي.

"تناول ما نظر, فسقط من حيث لم ينظر"

الجحيم رأى الجسد الأرضي ولكنه خسر عند استقبل هذا الجسد لأنه لم يستطع أن يرى الألوهة.

"أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا جحيم؟"

فيتساءل: كنتما أيها الموت، والجحيم، دائماً منتصرين على البشرية ولكن الآن مع السيد أين هو سمّكما؟ فانتصاركما على البشرية فقد باد بقيامة المسيح.

"قام المسيح و أنت صرعت"

بقيامة المسيح غُلب الموت.

"قام المسيح و الجن تساقطت. قام المسيح و الملائكة جذلوا، قام المسيح و الحياة انبعثت"

ظن الشيطان أنه انتصر على المسيح عندما رآه يموت على الصليب، انتابه الفرح نفسه الذي اعتراه عندما دفع آدم ليخطئ، كما يفرح كل مرة نقع فيها بخطيئة، ولكنه سقط وفرحه انتهى بقيامة المسيح من بين الأموات، وسيحدث الشيء ذاته عندما تتحقق القيامة العامة ويقوم القديسين كلهم. بالوقت ذاته الملائكة فرحت لأن قوة الشيطان اضمحلت وأصبحت لدى الإنسان إمكانية غلبة الموت بعد أن غلبه السيد، فعادت الحياة للبشرية بعد القيامة.

"قام المسيح من الأموات فصار باكورة الراقدين"

المسيح الذي عاد من بين الأموات صار هو أول القائمين أي باكورتهم ونزل إلى الجحيم ليخبرهم بقدومه وأنه انتصر على الموت وأعطى الأمل والرجاء لكل الذين سيرقدون أن الموت لن يصيب الذين سيقومون مع المسيح.

"له المجد و العزة إلى دهر الداهرين آمين".

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger... [2]
2 Comments (Open | Close)

2 Comments To "تأمل في عظة الفصح للقديس يوحنا الذهبي الفم"

#1 Comment By george abdelly On 17/04/2010 @ 7:47 م

المسيح قام ..حقام
بمناسبة عيد القيامة المجيد..تهنئة قلبية لشخصكم الموقر و لاحبائى و اخوتى و اخواتى بالمسيح يسوع اعاده الله على الجميع بموفور الصحة و العافية

شكرا لهذه المقالة الرائعة ..لانها غمرتنى بالتعزية ..و الفرح ..و السلام الروحى
الرب يبارك كهونتك و يحفظك لكنيستك و شعبك

#2 Comment By بيار On 19/04/2010 @ 4:56 م

المسيح قام . . . حقاً قام
شكراً أبتي لكل هذا التفسير الذي حقاً لم ولن استطيع أن اتوصل إليه بمجهودي الشخصي. طوال هذه السنين وفي كل فصح انتظر هذا المقطع حتى أتعجب وأتساءل كيف للذي لم يصوم ولم يحضر الفصح من الساعات الأولى، يعطى له مثل الذي صام وعمل وحضر الفصح من ساعاته الأولى!
الأن كل شيء أوضح ومغذي أكثر للإيمان المسيحي!
كم اتمنى أن يعرف الكل تفسير الصحيح لهذا التأمل، لأن كثيرون يستعينون به ليعفوا أنفسهم من الصوم متحججين أن الذي لا يصوم يأكل الفصح أيضاً.
أدامك الله لنا وللكنيسة،
صلواتكم،