- المنارة الأرثوذكسية - http://www.almanarah.net/wp -

مخافة الله

نور [1]

عبرت سنة 2010 ودخلنا في سنة جديدة، بدخولنا إلى العام الجديد علينا أن نقف قليلاً عند الأمور التي لم نستطع تدبيرها في السنة الماضية ولنأخذ قرارات تفيد حياتنا في السنة الجديدة، بالنسبة لي سأتحدث عن الأمور أو القرارات الروحية التي يجب أن نأخذها بعين الاعتبار حتى نسلك متقدمين فيها.

أي كيف نفعّل الفضائل فينا؟، وكيف نبني إنساننا الداخلي؟، كيف سننقي أرواحنا؟، لأننا في لحظة ما سنقف أمام وجه السيد، يوم الدينونة، وسنسأل، وعلى جوابنا يتوقف خلاصنا.

المسيحيون الذين يجاهدون الجهاد الحسن للحفاظ على إيمانهم، يصلّون منادين باسم يسوع “يا رب يسوع المسيح ابن الله ارحمني”، يقرأون الكتاب المقدس، يصونون وصايا الله، على قدر استطاعتهم، يشتركون في الأسرار المقدسة وخصوصاً المناولة المقدسة، وينتبهون إلى ذواتهم، يصونون لسانهم، أفكارهم، مشاعرهم، خيالاتهم، يسهرون بيقظة وانتباه.

مخافة الله والصلاة

نعيش بهذه الطريقة الروحية الإيجابية ولكن كل واحد بأسلوبه الخاص وعلى حسب قدرته، ولكن بالعموم نواجه ضعفاً في الصلاة، وهكذا نشعر أن الله يبتعد عنا، لأنه بقدر ما نصلي نشعر بوجوده معنا وبسُكناه فينا، أي يسكن فينا ويذكرنا بوجوده. فلا نصلي بسرعة وبدون اهتمام بل بكل راحتنا حتى تنتهي صلاتنا، فلا نقول يا رب أنا تعبان هذا اليوم، قمت بهذا وذاك، ولا أستطيع أن أصلي كثيراً. أو بسبب تعبنا نقول كلمتين بسرعة وبدون فهم، على سبيل الاختصار، بالتالي من يسمع هكذا صلاة؟. يجب أن نصلي وكأن الله حاضراً، بل واقفاً، أمامنا، مع القديس يوحنا المعمدان ووالدة الإله والقديسين، لأننا معاً نشكل كنيسة واحدة، نحن الكنيسة في قسمها المجاهد والقديسون في قسمها الظافر.

مخافة الله والمحبة

بالصلاة يمتلئ الإنسان بالحب، وبمقدار ما يصلي بمقدار ما يمتلئ منه، وعندما نشعر بهذا الحب نمتلئ من الإيمان، ومع الإيمان الملتهب والحي والقوي تأتي مخافة الله. يقول كاتب المزامير: “رأس الحكمة مخافة الرب” (مز10:111)، ويقول: “هلّم أيها البنون استمعوا إليّ فأعلّمكم مخافة الرب” (مز11:34). ليس الخوف من الموت أو العقاب أو الجحيم وليس من دينونة الله، بل خوف من محبته اللامحدودة.

هكذا نخاف الله لعظم رحمته، نخافه ونحبه لأنه ينتظرنا في ملكوته السماوي، نخاف أن نخسر بنوته بسبب تعدينا لوصاياه وإصرارنا أن نخالف صفات أبنائه، نخافه لمحبته التي وصلت حتى موت الصليب، نخافه لرحمته الكبيرة وأبوته اللامحدودة ولعنايته الإلهية.

مخافة الله والنور

خوف الله هذا يتحول في قلوبنا، أحاسيسنا، أذهاننا، أنفسنا إلى نور. وبهذا النور، الناتج عن مخافة الله، نرى الآخرين بنظرة مختلفة فيها تسامح ومحبة، هذا النور الآتي من مخافة الله إنه لثمين جداً حتى أن الله يطوّب كل من يملكون هذه المخافة في داخلهم “طوبى لكل من يتقي الرب” (مز1:128)، وأتت كلمة “يتقي” باللغة اليونانية بمعنى “يخاف”. إذاً الطريق المؤدية إلى الخلاص ولصون وصايا الله ينيرها نور هو مخافة الله.

الصلاة، الإيمان، مخافة الله، النور

يجب أن نعطي اهتماماً بالحياة الروحية الداخلية، ويبدأ هذا الاهتمام بالصلاة، لأنها توحّدنا مع السيد عبر المناولة المقدسة. والصلاة تشدد الإيمان وتقويه، وبالإيمان تأتي مخافة الله، ليس الخوف من الجحيم أو الموت، بل من العظمة الإلهية، ومن المخافة يأتي نور، إذاً يأتي النور الإلهي من الصلاة النقية والإيمان القوي ومخافة الله، ولكن للأسف لا نسعى لامتلاكها لأننا ندين بسهولة ولساننا يطال كل من حولنا، حتى في القداس الإلهي، البعض لا يتكلم باللسان ولكن يدين بذهنه، كأن يفكر: ماذا يلبس الآخر؟ ماذا يفعل؟ لقد فعل هذا!! لقد تكلم بتلك!!، …الخ وأمور أخرى.

بدون خوف الله لا تتفعّل المحبة كما يصفها القديس بولس الرسول في نشيده: “المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ” (1كو4:13)، “إن كنت أتكلم بألسنة الناس والملائكة ولكن ليس لي محبة فقد صرت نحاسا يطنّ أو صنجا يرنّ” (1كو1:13)، وبدون خوف الله لا يثبت الإيمان، فالكاهن عند خروجه من الباب الملوكي حاملاً الكأس المقدس يقول: “بخوف الله وإيمان ومحبة تقدموا”، هذه هي الأمور الثلاثة الهامة التي تطلبها منا الكنيسة قبل المناولة المقدسة.

من جهة أخرى المحبة الحقيقة تطرد الخوف من الجحيم والعقاب والموت، يؤكد ذلك الإنجيلي يوحنا عندما يقول أنه لا يخاف الله لأنه يحبه: “لا خوف في المحبة بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج لان الخوف له عذاب” (1يو18:4). وهذا ما يميز الخوف من الجحيم عن مخافة الله الناتجة عن محبته.

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger... [2]
6 Comments (Open | Close)

6 Comments To "مخافة الله"

#1 Comment By اسحق كفا On 30/01/2011 @ 9:38 م

معك هو الله ابونا على نشاطكم وهمتكم العالية والى مزيد من هذه المواضيع

#2 Comment By fouad On 30/01/2011 @ 11:19 م

كلام كتير حلو يا ابونا وانا بقول وباكد كمان بان (من لا يحب لا يعرف الله) لكن هل هناك من يستطيع ان يحيا هذا.هل نستطيع.فلنحاول.
اذكرنا بصلواتك ابونا انا وعائلتي.شكرا.

#3 Comment By بولس On 31/01/2011 @ 8:30 ص

اولا بحب اشكرك ابونا على هذه المقالة الروحية الرائعة ولكن ابونا عندي تعليق بسيط لانه الصورة مش واضحة عندي بالنسبة:
1. “ليس الخوف من الموت أو العقاب أو الجحيم وليس من دينونة الله، بل خوف من محبته اللامحدودة.”
2. “لا خوف في المحبة بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج لان الخوف له عذاب”
فهل هنالك خوف من المحبة في رقم 1، وبنفس الوقت ليس هنالك خوف في المحبة رقم 2؟ لانه المحبة تطرد الخوف؟!
وشكرا
صلي من اجلي ابونا

#4 Comment By الأب سلوان On 01/02/2011 @ 9:47 ص

شكرا لمحبتكم جميعاً
أخ بولس
الخوف في رقم واحد المقصود منه المخافة اي الإحترام والمهابة لعظمة محبة الرب، وعندما يصل الإنسان إلى درجة المحبة الكاملة لن يدخل إليه الخوف بل ستزداد مخافة الله أي الإحترام والمهابة لعظمة محبته لنا.

أخت فريدة
هذه الطريقة الصحيحة لقراءة الكتاب المقدس وبعض الأمور الروحية ليرى الإنسان إن كانت تطابق جوانب حياته وكيف يمكن معالجتها بعد مواجهتها وتحليلها.

شكرا فؤاد وسهام
صلواتكم

#5 Comment By seham haddad On 31/01/2011 @ 10:00 ص

مقاله رائعه جدا ابونا
مواضيعك دائما جميله ومفيده في حياتنا الروحيه
صلواتك

#6 Comment By فريدة On 31/01/2011 @ 10:03 م

الله معك ابونا
والى المزيد من العطاء
هل تعرف ابونا :لقد احسست ان الموضوع موجه لي لانني الان بعيدة وخاصة ( المقطع الثاني مخافة الله والصلاة)
هذا الموضوع اشارة لي فحكمة الرب واسعة
اشكر الرب واشكرك
صلواتكم