- المنارة الأرثوذكسية - http://www.almanarah.net/wp -

أحد الأورثوذكسية / 2008

[1]

التأم المجمع المسكوني السابع المنعقد سنة 787 م وفيه أقرّ آباء الكنيسة بأن على المؤمن المسيحي أن يكرّم الأيقونة ولا يعبدها. أما من ناحية الخلاف حول موضوع الأيقونة فلم ينتهي إلا في الأحد الأول من الصوم سنة 843م، حيث قامت الكنيسة بإشهار تكريم الأيقونة فيها بشكل نهائي وهكذا انتهت الحرب التي شنّها بعض الأباطرة البيزنطيين على الأيقونات. ودعت الكنيسةُ هذا الأحد الأول من الصوم أحد الأرثوذكسية كعيد جامع لانتصار العقيدة المستقيمة بخصوص الأيقونات المقدسة وتكريمها.

بالعودة لموضوع الأرثوذكسية، لطالما تساءلتُ من هو الشخص الأرثوذكسي؟ هل يكفي أن يكون هو ذاك الشخص المولود من أب وأم أرثوذكسيين؟ بالمعنى التقليدي كل معمَّد أرثوذكسياً هو أرثوذكسي. ولكن بما أن الأرثوذكسية ليست اسماً أو هوية أوصفة بل حياة أو ما يسمى بالإيمان فالبعضُ يطلب أن تسمى بـ”الإيمان الحيّ”، وإذا كانت حية في الإنسان فهو أرثوذكسيّ. إذاً وفق ما سبق، يكون أرثوذكسياً كلُّ من يجعل إيمانه حيّاً كالذي عاشه الرسل وماتوا من أجله. فلنبحث عن الجوانب الثلاثة لعلاقة هذا الأرثوذكسي مع الكنيسة والآخر والله ولنتأكّد من استقامة رأيه.

الأرثوذكسي و الكنيسة:

أنت تعرف الأرثوذكسي من مدى ارتباطه بالكنيسة وليس من جرّاء عدد مرّات دخوله إليها. المؤمن الحيّ هو الذي يعيش أسرار الكنيسة بشكلٍ تفعَلُ في حياته لتقدّسه، لا لكي يراه الناس في الكنيسة فقط. الأرثوذكسي هو الذي يشعر أنه عضو من أعضاء جسدٍ واحد يتحسس إذا مرض أحد الأعضاء أو إذا دخل دمٌ غريب إلى هذا الجسم، وما قصدته بالدم الغريب هو الهرطقات أو عدم إتّباع التقليد المسلّم من الرسل وآباء الكنيسة، فيعمل على طرد هذا الدم الغريب وحماية الأعضاء الأخرى من الإصابة به. ” نوصيكم أيها الإخوة، باسم ربنا يسوع المسيح، أن تتجنبوا كل أخ يسلك بلا ترتيب، وليس حسب التقليد ( التسليم ) الذي تسلّمه منا” ( 2 تس3: 6 ). الأرثوذكسي هو الذي يعمل في الكنيسة كأنها بيته ويكون غيّوراً على كل شيء فيها، هو الذي يعرف الكتب المقدسة أو على الأقل يهتم بها ويقرأها بشكل متواتر، هو الذي يعرف قوانين الكنيسة ويصونها، أو يسأل عنها مهتماً، لأنها مجتمعةً الأساس كي تسير الكنيسة على تقليدها المسلّم من الرسل والآباء.

الأرثوذكسي و الآخر:

أنت تعرف الأرثوذكسي من خلال نظرته لأخيه الإنسان المرتكزة على الكتاب المقدس، فهو يراه أخاً في الإنسانية مجبولاً من إله واحد، ويرى في أخيه المعمّد مثله في بيت الله أرثوذكسياً شريكاً في ملكوت السموات وليس منافساً أو عدواً بل عضواً معه في الجوقة ذاتها التي ستمجد الله في اليوم الأخير. هو يحب الجميع ويشاركهم ما يملك من علمٍ وخبرة ومالٍ ولا يبخل على أحد بشيء. هو لا يرى نفسه فوق أحد بل يواضع ذاته ويرى نفسه، مقارناً ذاته مع الآخر، أنه أكبر الخطاة وتعوزُه رحمة الله دائماً. “وَمَحَبَّتُهُ مِنْ كُلِّ الْقَلْبِ، وَمِنْ كُلِّ الْفَهْمِ، وَمِنْ كُلِّ النَّفْسِ، وَمِنْ كُلِّ الْقُدْرَةِ، وَمَحَبَّةُ الْقَرِيبِ كَالنَّفْسِ، هِيَ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ. فَلَمَّا رَآهُ يَسُوعُ أَنَّهُ أَجَابَ بِعَقْلٍ، قَالَ لَهُ: لَسْتَ بَعِيداً عَنْ مَلَكُوتِ اللَّهِ”(مر 33:12-34).

الأرثوذكسي والله:

أنت تعرف الأرثوذكسي من خلال علاقته بالله، فهو يمتلك خوف الله، ليس لأن الله جبّار وقوي وقادر على كل شيء بل لأنه أبٌ خالقٌ الكل يرحم ويغفر للخطأة وللتائبين خطاياهم ويخلّصهم. هو يرى حضور الله في حياته أمر مهماً جداً وبدون هذا الحضور يعيش بفراغ الموت. هو يريد أن يعرف الله أكثر ويقترب منه يومياً، يراه في الآخر، في الخليقة وفي كل مكان. يبحث عنه في داخله، في زوايا قلبه الحنون والمعطاء والرقيق، وحين يجده يراه آباً وابناً وروحاً قدوساً واحداً في ثلاثة أقانيم. يرى أن هدف حياته هو الشركة مع الله، “طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللَّهَ” ( مت 5: 8 ). هو يعرفه من خلال المحبة والصلاة والمناولة المقدسة. الكنيسة هي التي تساعده أن يعرف الله أكثر وتقرّبه إليه.

هكذا نرى أن الأرثوذكسي الذي يفصل نفسه عن الله أو الآخر أو الكنيسة قد فَقد أرثوذكسيته. الأرثوذكسي الذي شوّه هذه العلاقات بسبب شهواته ورغباته ومحدودية فكره يكون أيضاً قد فقدها. ويبقى لنا أن نسعى كي نحافظ على إيمان آبائنا ونعيشه في حياتنا عبر الكنيسة لكي نفهم بشكل صحيح من هو الأرثوذكسيّ.

الأرشمندريت سلوان أونر

اليونان

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger... [2]