+ مدونة المتروبوليت سلوان أونر +



“أحد الابن الضال”

يُعتبر مَثل الابن الضّال، الذي نقرأه هذا الأحد في الكنيسة، مِن قِبلْ المفسرين، لؤلوة ثمينة بين أمثال السيد أو إنجيلاً داخل الإنجيل. البعض أسماه مَثل الابن الأكبر، وبالحقيقة كان موقف هذا الأخير مميزاً، فعند عودته إلى البيت أخبروه بعودة أخيه الأصغر، فلم يرغب بالدخول إلى البيت وتذمّر على أبيه بأنه ظلمه بدون حقّ. تذمُّرُه كان بأنّه يعمل ليل نهار ولم يتقاضى أجراً على عكس أخيه، الابن الضال، الذي صرف أمواله على الزنى، وبالنهاية عندما رجع قُبل بحفاوة كبيرة. دخل بعلاقة حقوقية مع أبيه. وبشرياً لديه حق، إذ أخذ أخاه الكثير وعاد بلا شيء، أما هو فلم يُعطَ سوى أنه يسكن البيت الأبوي. ولكنه لم يفهم أن القوانين البشرية تختلف، وأحياناً بالكلّية، عن الإلهية. لنرى من هو الابن الأكبر في مثل الابن الضال:

من هو الابن الأكبر؟

بعض المفسّرين يشبّهون الابن الأكبر بالفريسين وتذمّره بتذمّرهم. لأن الكثير من العشّارين والخطاة قد تبعوا المسيح وسمعوه والكثير منهم تابوا، هذا الأمر لم يُعجب الفريسين. “فَتَذَمَّرَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ قَائِلِينَ: ((هَذَا يَقْبَلُ خُطَاةً وَيَأْكُلُ مَعَهُمْ ! ))” (لوقا 2:15). والتذمّر على المسيح من قبل الفريسين كان حالة مستمرّة، لذلك حاول المسيح بأمثال، مثل الخروف الضال أو الدرهم الضائع، أن يخاطبهم ويغير آرائهم. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “علينا الاهتمام بخلاص أخينا”، أي كل شيء مسموح لخلاص أخينا، فكل نفس مهمة بعين الله حتى أنه قدّم ابنه ضحية، الحمل المذبوح، لننال الخلاص. فلماذا نتذمّر إذا نال أخينا الخلاص، ولو كان أكبر الخطاة؟ فدعونا نفرح لخلاص الجميع لأن الله هكذا يريد.

مفسرون آخرون يشبّهون الابن الأكبر بالمؤمنين العاملين في الكنيسة، هؤلاء الذين يحتملون تعب النهار وحرّه ويعملون في حقل الرب منذ الساعة الأولى، مطبّقين وصايا الله، فيطالب البعض منهم أن يطبّق العدل، أن يُكافأ الأبرار ويُعاقب الأشرار. عليهم أن يعرفوا أن الله الذي يعيشون بقربه هو ذو رحمة عظمى، يسامح، ومباشرة، هؤلاء الذين يعودون إليه تائبين، ويمنحهم النعم ذاتها التي يمنحها للقديسين. هم يحتجّون بأن الله يرحم الخطاة بشكل مفرط، هنا يظهر لنا الاختلاف الكبير بين عدل البشر وعدل الله، الملكوت واحد ولجميع التائبين.

يخطئ المؤمنون!

إن الكثير من المؤمنين الذين يعملون في الكنيسة ويخدمون فيها لا يتقبلّون كيف من الممكن للخطاة أن يتوبوا ويغيّروا حياتهم وبالنهاية أن يخلصوا. يظنّون أن لديهم دالة لدى الرب أكبر من الخطاة. هم قاموا بأعمال حسنة وكثيرة ولم يخونوا ثقة الله فيهم، هكذا يقولون. لكن يأتي السيد ليقول لنا أن عمل التوبة هو أهم من أعمال الخير، التي نعتقد أنها الأفضل. يقول القديس كيرللس الإسكندري أن القداسة هي نتيجة نعمة الله المُعطاة للإنسان وليس نتيجة أعمال الإنسان الخيّرة الكثيرة أو القليلة.

تختلف المقاييس البشرية، التي تحكم وتبرّر وفقاً لما يحدده الإنسان، كُلياً عن المقاييس الإلهية، التي يحددها الله وفق معيار محبته للإنسان، فوفقاً للمعايير البشرية السارق أو الزاني أو العشّار… يجب أن لا يخلص، ولكن وفقاً لمحبة الله الغير المحدودة ولعدالته الكاملة يخلص. يقول القديس إسحق: “يمكن أن تعتقدوا أن الله عادل ولكنه بالأغلب هو صالح وخيّر”. ويقول الأب باييسيوس أنّ تنهدنا الصادر من القلب هو أفضل من الصادر من مشاعرنا أو دموعنا. فلنتقرّب من الله بتواضع محطّمين كبريائنا لنخلص، متنهّدين من القلب ومعتبرين أنفسنا أكبر الخطاة، شاكرين لله ومصلّين إيه أن يرحمنا ويرحم كل التائبين.

الأرشمندريت سلوان أونر

اليونان

“أحد الفريسي والعشّار”

“…مَنْ وضع نفسَه ارتفع”

في المقطع الإنجيلي لهذا اليوم، مَثَلْ الفريسي والعشّار، وضع الرب شَخصيتين متناقضتين جنباً لجنب، أي المتكبرة والمتواضعة، الأولى تميّزت بالكبرياء(نبع الخطيئة) والثانية بالتواضع (أمْ الفضائل كُلّها). من جهة تكبّر الفريسي بأعماله الحسنة من أعمال رحمة أو صوم، ومن جهة أخرى تواضع العشّار بسبب خطاياه. الأول متكبر والثاني مُنسحق القلب. سنحاول أن نرى على ماذا استند العشّار لكي يخرج مبرراً:

1. صلاة العشّار المتواضعة

كانت صلاة العشّار ذات خاصية مميزة فعند دخوله المعبد أحنى رأسه وقرع صدره ووقف في آخر المعبد وصرخ: “اللهم أرحمني أنا الخاطئ” (لو13:18). قرَع صدره، حيث القلب، لأنه نبع الأفكار الشريرة التي تتحول فيما بعد إلى أعمال شريرة، “لأَنْ مِنَ الْقَلْبِ تَخْرُجُ أَفْكَارٌ شِرِّيرَةٌ: قَتْلٌ ، زِنىً ، فِسْقٌ ، سِرْقَةٌ ، شَهَادَةُ زُورٍ ، تَجْدِيفٌ” (متى 19:15). لم يتجرأ أن يرفع رأسه نحو السماء، لأنه قد مرمر الله بأعماله، كل كلمة قالها بتواضع عناها وشعر بها، وعندما رفعه الله لم يأخذ بعين الاعتبار فقط أقواله بل انسحاق قلبه وتواضع فكره.

2. لوم العشّار لذاته

إن لوم الذات هي فضيلة من الفضائل المؤدية للتواضع، وذلك بأن نلوم أنفسنا على الخطايا التي نرتكبها، وهذا ما فعله العشّار. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم بأنه لا يوجد دواء أفضل لغفران خطايانا من لوم الذات، وذلك بأن نتذكّر باستمرار خطايانا ونلوم ذواتنا بسببها. حالة الإنسان الداخلية، كمعرفة الذات ولومها ودموع التوبة والتواضع، تؤثر بشكل مباشر على خلاصه. الذي يلوم نفسه لا يستطيع أن يُدين الآخر، يجد نفسه فقط ملامَاً. التواضع ولوم الذات هما المحركان اللذان سينقلاننا إلى السماء. يشبِّه القديس غريغوريوس بالاماس هذه الحالة بالملائكة الذين تغلبوا على كل الضعفات البشرية.

3. التواضع هو أساس حياتنا الروحية

تواضع العشّار لم يكن حالة أخلاقية اجتماعية، كما هي حالة أغلب المتواضعين منّا. يشبّه  القديس باسيليوس الكبير تواضعنا هذا بـ “الجرائم المشرقة”. أغلب أعمالنا هي خارجية وهدفها حب الظهور. نعتقد أنه بأعمالنا سنُبرَّر، لدينا ثقة بالنفس مبالغ فيها، لا نترك مجالاً للروح القدس كي يعمل فينا، نحاول تبرير ذواتنا بأعمالنا. إنّه لخطير في الحياة الروحية أن تكون شهرتنا أكبر من فضائلنا. فقط التواضع، وليس الكلام عن التواضع أو التظاهر بالتواضع، يجعلنا نرى فضائل الآخرين وخطايانا. الإنسان الذي يُريد أن يَخلُص عليه أن يلبس رداء التواضع. المتواضع ليس ذاك الذي نُشفق عليه بل الذي يساعدنا على معرفة حالتنا الداخلية فنميّز أهوائنا ونطلب رحمة الرب. بدون هذه الفضيلة لا نتقدم روحياً.

مثالنا في التواضع هو السيد المسيح الذي تنازل ولبس طبيعتنا البشرية لكي يرفعنا إليه. لا شيء يستحق أن نتكبر من أجله من ممتلكات وأراضي أو جمال أو أي مكانة اجتماعية، كل شي له بداية ونهاية ما عدا الله هو أبدي.

إخوتي دعونا نُفْرغ ذواتنا ونبحث عن أهوائنا لنتنقى منها ونقترب من الله، عائشين بنعمته، متذوقين الملكوت السماوي منذ الآن. التواضع يجعل من أنفسنا أدنى من الآخرين ولكنه يُشير لله أننا نملك شيئاً جيداً، هذه الدرجة فلنقتنيها.

الأرشمندريت سلوان أونر

اليونان

انتقل إلى الأخدار السماوية المثلث الرحمات غبطة رئيس أساقفة الكنيسة اليونانية خريستوذولوس يوم الإثنين 28/01/08، إنسان خدم الكنيسة بكل جوارحه وبكل ما أعطاه الله من قوة. شاء الرب أن أتعرّف عليه في حياته عندما جاء لزيارة معهد القديس يوحنا الدمشقي، وذلك في إطار زيارته للكرسي الأنطاكي سنة 1999، في يومه الأول وبعد انتهاء كل اللقاءات الرسمية عاد في المساء إلى المعهد (حيث مكان إقامته) وكان طلاب المعهد في انتظاره لأخذ البركة. هو، ومن بعد خروجه من السيارة مباشرة، نزع عنه ملابسه الرسمية (القلّوسة واللاطية والجبة والصليب والأنكولبيون)، وبعد أن أخذنا البركة التففنا حوله وبدأنا عفوياً نرتل قدوس الله بالتناوب هو يميناً باللغة اليونانية وشباب البلمند يساراً، كان جواً مفعماً بالصلاة العفوية لتمجيد الله. بساطته أعطتنا انطباعاً رائعاً عن هذا الشخص العظيم.

منذ وفاته بدأ التلفزيون اليوناني بكل محطّاته يُقدم برامج ولقاءات وريبورتاجات عن رئيس الأساقفة مظهرين بشكل جلي وواضح كل جوانب حياته الإيجابية، شارحين عن حياته من مولده حتى وفاته. وقاموا بعرض المحطات الصعبة في فترة تولّيه منصب رئاسة أساقفة اليونان وكيف واجهها، وهنا جاءني الاستغراب: أنتم الذين في السابق كنتم تحاربونه وتقفون ضدّه وضد الكنيسة، في كل تصرّف أو حركة أو قرار، الآن أصبحتم مُعجبين بفكر رئيس الأساقفة خريستوذولوس وما قدّمه للكنيسة وللمجتمع اليوناني وللعالم؟ أنتم الذين وصلتم في وقت لتطلبوا منه أن يستقيل عن رئاسة الأساقفة تقولون اليوم بأنه كان إنساناً رائعاً!؟

كل هذه الريبورتاجات عن أعماله لماذا لم تعرضها هذه المحطات التلفزيونية في أيام حياته ليرى العالم كله ماذا تفعل الكنيسة من خير لكل من حولها؟

لماذا لم تنصفوه إلا بعد وفاته؟

هم حاربوه كثيراً، ليس لأن يعمل أعمال سيئة لا بل لأنه كان يحاول أن يحمي الكثير من أبناء الكنيسة من الانحدار نحو أحضان الجحيم.

للأسف، الكثير منا يحارب الآخر لا لأنه سيء بل لأنه يعاكس فكره أو لا تعجبه طريقته في العمل أو الكلام أو التصرف، ويدّعي أنه لا يحارب الشخص بل الفكر أو التصرف ليحمي نفسه من خطيئة الدينونة. المحاربة مهما كانت أشكالها فهي في تضاد مع المحبة، فإذا كان هناك شخصٌ له رأيه الخاص المناقض لرأيك، لا يعني أن يختفي من الوجود، وأن لا تراه في حياتك مرة ثانية!!! كل هذا مناقض لتعليم المسيح عن المحبة. المحبة لا تقوم في عزلة بل تفترض وجود الآخر، كائناً من يكون، يكفي الإنسان أن يكون شخصاً لا فرداً، فالشخص يرى الآخر ويحس بوجوده أم الفرد فيتمركز حول ذاته ولا يرى سواها.

هكذا لخص المسيح الناموس والأنبياء قائلاً: “تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك. هذه هي الوصية الأولى والعظمى والثانية مثلها تحب قريبك كنفسك” (متى 37:22-40).

إن ” ثقافة المحبة والتسامح ” التي نادى بها المسيح في تعاليمه، لا تتجاوز فقط الحدود القومية والدينية والنوع والجنس ذكرًا أم أنثى، أو اللون أسود أم أبيض، أو القوام الجسمانى سليم أم مُعاق، ولكن  تتطلب المحبة نحو العدو، هذه المحبة قد صاغها المسيح بقوة خاصةً في الموعظة على الجبل: ” سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك، وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم.. باركوا لاعنيكم.. أحسنوا إلى مبغضيكم.. وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم..” (مت43:5ـ48). هذه المحبة مؤسسة على أن أى إنسان مهما كان لم تسقط عنه الهوية السماوية ولم يتوقف عن أن يكون إنسانًا مخلوقًا على صورة الله ومثاله، وفي هذا الإطار علينا أن نحب الآخر أيًا كان موقفه تجاهنا حتى لو كان عدوًا لنا. وهذا ما فعله المسيح فوق الصليب عندما طلب المغفرة لصالبيه.

تبدو وصية المسيح بمحبة الأعداء صعبة جدًا للإنسان العادى الذي لم يختبر بعد قوة المُصالحة: ” ولكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح” (أف13:2). هكذا يؤكد بولس الرسول على عنصر المُصالحة التى تمت بين اليهود والأمم (الأعداء بالنسبة لليهود): ” ونقض حائط السياج المتوسط أى العداوة مبطلاً بجسده ناموس الوصايا فى فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا صانعًا سلامًا، ويصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب قاتلاً العداوة به” (أف14:2ـ16). فالمصالحة تمت بين البشر والله وبين البشر فيما بينهم، وذلك بعمل المسيح الفدائى. وأصبح في مقدور المسيحي أن ينال هذه القوة، أى قوة المُصالحة من المسيح نفسه لكى يستطيع أن يحب حتى الأعداء، فلا يوجد بالنسبة للمسيحى آخر يعتبره عدوًا، ولا تتولد عنده مشاعر الكره والبغضة تجاه آخر، فهو مثل سيده يطلب المغفرة لمن يسيئون إليه. وموقف المسيحي ليس سلبيًا بل إيجابيًا، إذ يبادر في صُنع الرحمة تجاه الآخر ويحبه ويعتبره كائنًا وشخصًا يستحق أن يُحب لذاته، لأن المسيح سبق وأحبه وبذل نفسه لأجله.

نفهم من كل هذا الحديث عن محبة الأعداء كيف يجب أن تكون محبتنا لأخينا وكم مقدارها، فلنتوقف عن محاربة الآخر لأجل أفكارنا ومصالحنا، فلنتوقف عن جعل الكثير من إخوتنا أعداء، بسبب تصرفاتنا وكلامنا.

فلماذا أيتها البشرية تغرّبين نفسك عن ما خُلِقتِ،كصورة لله؟

لماذا هذه الازدواجية في التعامل مع القضايا والأمور الحياتية الكنسية والعامة؟

هل لأن المحبة ناقصة؟ ممكن، والحل الواحد والوحيد: بأن نرتشف من نبع المحبة، السيد المسيح، بواسطة كنيسته ونعمة الروح القدس.

الأرشمندريت سلوان أونر

اليونان

الملء

“لأنه فيه سر أن يحل كل الملءِ”

(كو19:1)

ترد عبارة “الملء” إذ نسمع هذه العبارة من بولس الرسول متحدثاً لأهل غلاطية: : “لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُوداً مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُوداً تَحْتَ النَّامُوسِ” (غلا4:4) متحدثاً عن ملء الزمن الذي كان ضرورياً لتجسد المسيح، وأيضاً في حديثه الموجّه لأهل أفسس يصف الكنيسة بأنها: “هِيَ جَسَدُهُ، مِلْءُ الَّذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ” (أف 23:1) موضّحاً لنا بأن الكنيسة تكون حقيقية عندما يكون جسد المسيح ملئها، ويؤكد لأهل أفسس بأن الإنسان يحقق الكمال عندما يصل إلى ملء قامة المسيح: “إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ” (أف 13:4) وكلها تُشير إلى أن الملء يتحقق بحضور المسيح في الزمن، في الكنيسة، في الإنسان. وبالتالي إذا أراد الإنسان تحقيق الملء أو الكمال عليه أن يمتلئ من المسيح.

من جهة ثانية كلمة “الملء” مصطلح يشير ضمنياً لـ “الخلاص”، فنحن بشر مخلقون على صورة الله، ولكن يوجد فينا شيء ما ناقص يجعلنا بعيدين عن الملء، ولا واحد منا هو في حالة الملء مع أننا خُلقنا للملء، والملء ليست كلمة تعبّر عن حقيبة مليئة بالأخلاق الحسنة، والأخلاق الحسنة ليست سبباً رئيسياً للخلاص، لذلك نقول بأننا مخلوقون على صورة الله لنحقق مثاله، هذا السعي لتحقيق المثال يمر عبر الملء بالمسيح الذي به يتم الخلاص.

مفهومنا للخلاص بعيد كل البعد عن المفهوم البروتستانتي، أحدهم قال بأنه لم يعرف الخطيئة منذ ثلاث سنوات، موضحاً بذلك بأن مفهومه للكمال مختلف كلياً عن مفهومنا، الآباء القديسون جاهدوا طوال حياتهم بالصلاة والجهاد ولم يقولوا أنهم بلا خطيئة بل كلما تقدّموا بالسيرة الخلاصية عرفوا أنهم أكبر الخطاة فيصلّون للرب ليعطيهم وقت أطول لكي يتوبوا. فكيف تعرف أنك نلت الخلاص وأنت لم تقابل وجه المسيح؟.

بالنسبة لي هناك أمور كثيرة تعني الملء:

1.        إنسانياً، الملء يعني أن نحقق ما خُلقنا من أجله، ويكون الشخص أكثر إنسانيةً عندما يعيش ملء وجوده.

2.        الملء أكثر من أن تعرف كثيراً، فمن الممكن أن تعرف في مواضيع كثيرة وممتلئ منها، مع ذلك يمكن أن تكون فارغاً وبدون حياة. “وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعاً أَخَذْنَا، وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ” (يو16:1). الملء الحقيقي هو انسكاب نعمة الله فينا وامتلائنا من نعمته وليس انسكاب للمعلومات أو للمعارف.

3.        الملء يعني الأفضل، السيد المسيح وعدنا بـ “فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ” (يوحنا 10:10)، ولم يقصد الله بقوله هذا أننا سنعيش حياة مليئة بالرفاهية بل وعدنا بأن يملئنا الله من حياته. المسيح هو “الكل” وليس السيارات أو البيوت أو التلفاز الكبير أو الرحلات حول العالم. هو وعدنا بأن يكون حاضراً فينا، وحضوره فينا هو أهم من هذه الحياة التي نعيشها، أنا متأكد أن هذا الحضور الداخلي للسيد في حياتنا يجعل من داخلنا أوسع وأكبر من هذه الدنيا بالكلية.

4.        الملء يؤدي للكمال، فعبر أسرار الكنيسة والكتاب المقدس يمكن للإنسان اقتناء الروح القدس، و به يصل للكمال، وهذا يتم كله في الكنيسة، إذا الكنيسة هي الملء بشرط أن تكون مليئة بالروح القدس، وهي تكون كنيسة حقيقية عندما تكون ممتلئة بالروح القدس، ولكنها أيضاً مجاهدة نحو الكمال بنعمة الروح القدس ونحن إذا جاهدنا وبنعمة الروح القدس يمكن أن نصل إلى الكمال.

5.        الملء لا يُحدّد بمكان ولا بزمان ولا يمكن معرفته بشكل كامل فهو أبعد من حدود العقل البشري، ويعتمد على مبدأ أن الملكوت السماوي – الذي نعيشه عندما نكون بحالة الملء- في مكان آخر حيث الله هناك.

6.        يتحقق الملء في المحبة. عرفنا الله في السيد المسيح عندما قبل أن يُصلب من أجلنا، “وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ، لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ اللهِ” (أفس19:3)، فالتضحية من أجل الآخر هي تعبير عن المحبة الذي هي الملء الحقيقي الذي من أجله خُلقنا. الحسد والكراهية والمكر والتعصب تعاكس تحقيقنا للملء وتشوّه من حقيقة وجودنا وتهدد بتحطيمه، على حين عمل المسامحة – حيث المحبة هي التضحية الكبرى- هو الامتداد الواسع غير المحدود انطلاقاً من ذاتنا للوصول للملء. فالحياة مع الله،أي الامتلاء،هي بأن لا نعرف الحسد أو الكراهية أو المكر أو التعصب بل المحبة حتى للأعداء، وهذا هو الملء الذي يملئ الكل بالكل.

رأى السيد المسيح ما لم يستطع أحد أن يراه، شاهد حقولاً تحتاج لفعلة وآخرين مَن ظنّوا أنفسهم قريبين لله ولم يكونوا سوى فرّيسيّن، رأى عملَ أبيه مِن حوله في حين لم يعرف أحدٌ الآبَ، رأى العالم في ملءٍ لم يقدر أحدٌ على رؤيته هكذا.

قلب الإنسان مليء بالرغبة لتحقيق الملء (الكمال)، فتراه يشعر بفراغ في داخله وبنقص في كل ما يحيط به. حدْسُه يخبره بأن هناك المزيد، هناك توقٌ لكمال ما لا يمكنه تجاهله.

يجب ألاّ يرضى الإنسان بأقل مما دعاه الله إليه، أي إلى الملء الذي وعدنا به كميراث. واقع الحياة يؤكد لنا بأن هذه الحياة فارغة وأن هناك شيء أكثر من ذلك يجب أن نسعى بكلّ قدرتنا وبكلّ نفوسنا من أجل تحقيقه.

وأنا أتساءل: “لماذا يريد الإنسان شيئاً أقل من هذا الملء؟”

آمين.

الأرشمندريت سلوان أونر

اليونان

ها قد أتى الميلاد مرة أخرى ليقول لنا أن الحياة مستمرة وبشكل أفضل مانحاً إيانا دفعة رجاءٍ لا تنقطع، فرغم الحروب التي لا تتوقف الآتية من جشع الإنسان، و الأزمات النفسية الآتية بسبب مشاكلنا اليومية وعدم رؤيتنا الصحيحة للحياة، واليأس الناتج عن فقدان الرؤية الجدية للحياة، والفراغ الذي هو حصيلة تقوقع الإنسان حول ذاته، و الأمراض التي لا علاج لها، وأمور أخرى كثيرة، فإن المولود الجديد يسوع المسيح من أمه الطاهرة وفي مزوده الدافئ يقلب لنا كل الموازين، من قبله كانت الحياة أرضية مادية محدودة بزمان ومكان أما في ميلاده فقد انفتحت لنا أبواب السماوات لنصير نحن لا بعد أرضيين، لا بعد محدودين بزمن ينتهي، بل مشاركين الأبدية معه وفي أحضانه.

فلنحتفل معيّدين معه و به، كما يليق بإله لا كما يليق بملك أرضي، هو أعاد ربط السماء بالأرض، بميلاده من العذراء، فلننتبه نحن أن لا نقوم بفصلهما مرة ثانية، فالطريقة التي نُعيّد بها تُشير لنا إذا كنا نشارك بربط السماء مع الأرض أو نعزلهما عن بعض، وإذا تم العزل سيخسر الأرضيون خلاصهم لا محال. أمّا كيف نُعيّد للمسيح كملك أرضي أو كإله؟ أتركك لتفكر به ولتميّز كل مظهر من مظاهر العيد إذا كان يليق بملك ارضي بحت أم ملك سماوي؟.

أتمنى للجميع حياة دافئة كدفء المغارة التي استقبلت السيد، وسلامية كسلامية الطبيعة والحيوانات التي شاركت في استقبال المولود، ومستنيرة كنور النجم الذي أنار الطريق للمجوس ليروا المولود ويعرفوه، ومليئة بالتواضع كتواضع المغارة، وكلها عطاء كهدايا المجوس، وكلها صلاة كتسبيح الملائكة: “المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة”

كل عام وأنتم بخير

العودة لبداية المدونة
 << 1 2 3 4 ... 41 42 43 44 45 46 47 48 49 >>