+ مدونة المتروبوليت سلوان أونر +



لطالما كان يشغلني في الأعياد حال هؤلاء الذين لا يعرفون معنى العيد وأفراحه، لأسبابهم الخاصة أو أمراضهم أو مشاكلهم الحياتية اليومية، والذين يشغلني بالخصوص شباب اليوم وكيف يمكنني أن أساعدهم؟

وجدت نفسي أنني مكتوف الأيدي ولا أستطيع إلا بشكل محدود جداً أن أُساعدهم، ولكن الرب العلي الذي يرى ويعرف كل شيء يستطيع أن يفعل الكثير، وأنا كلي ثقة أنه قادر ويريد، فالأصلي لهم عند الرب علّه يسمع صوتي أنا الخاطئ ويساعدهم.

الصلاة الحقيقية الكاملة يمكن أن تتحقق، بأن تصلّي ليس فقط لأهلك وأقاربك وأصدقائك بل لهؤلاء الذين لا تعرفهم أيضاً، الذين بحاجة لمعونة حقيقة من العلي، عندها تمتزج صلاتك مع المحبة وتصل إلى الذروة. عندما نريد أن نصلي، حتى أنا الكاهن عندما أذكر في صلاتي على المذبح، نذكر الذين نعرفهم، ولكن ألا يوجد غير الذين نعرفهم بحاجة لصلاتنا؟ نعم بالتأكيد لذلك علينا جميعاً أن نصلي لكل شباب العالم الذين يعانون من المرض أو الجوع أو الفقر أو يعيشون في ظل الحروب بلا أمل، ولكل إنسان فقد عائلته أو بيته أو رزقه، ولكل طفل ضائع أو جائع…

في المسيحية يوجد خلاف بين فئتين من المؤمنين، الأولى تعتبر بأن الشجرة هي من العبادات الوثنية بكل ما تحوي، وأن عيد ميلاد السيد هو في الكنيسة فقط، وأخرى تعتبرها تعبير رمزي عن ميلاد السيد، وتحتاجها لتتذكر بميلاد السيد المسيح على الأرض وبأن الحياة مليئة بالأفراح، وهي لا ترى بأن وضع الشجرة يُنسيهم المولود الحقيقي، وحتى لو بالغوا قليلاً بمظاهر العيد.

ككاهن في قرية صغيرة يظهر فيها هذا الخلاف جلياً واضحاً فما العمل؟

إن السؤال لطالما راودني كثيراً: هل يا ترى عندما نضع الشجرة ونضع أزراراً مضاءة مختلفة على شرفات البيوت نكون قد انحرفنا عن الطريقة الصحيحة للاحتفال بالعيد؟؟ هل يا ترى فرحة الطفل بميلاد المسيح متعلقة فقط بالشجرة أو بالأزرار المضاءة؟

طبعاً لا، وذلك إذا حافظنا على الجوهر ولم ننسى صاحب العيد، بأن نكون مشاركين مع الملائكة بالصلاة والتمجيد ومع المجوس بالعطاء والسجود داخل الكنيسة مع الجماعة المسيحية.

هاجسي الأول هو في شدّ المؤمنين نحو صلاة أوسع ومحبة أكبر وأكمل، والثاني أن أحلّ مشكلة القرية التي أرعاها حول وضع شجرة الميلاد أو لا، فأتتني فكرة بواسطتها أستطيع تنويه أبناء الرعية بأنهم قادرون على أن يرفعوا صلاتهم لتكون أوسع ولكي تقترن بالمحبة وأن ترتفع محبتهم لتصل إلى أقص درجاتها وتصبح محبة كاملة لا يشوبها الأنانية. وقلت لماذا لا نملئ شجرة العيد بصلوات أبناء الرعية؟؟ فبدل أن نضع زينة وكرات وأجراس فلنضع صلوات وطلبات صغيرة يكتبها أبناء الرعية صغاراً وكباراً بأيديهم لطفل المغارة سألينه ما يشاءون، لا متوقفين في صلاتهم عند الأهل والأقرباء بل متوجهين نحو شباب العالم الذين لا يملكون طعاماً ولباساً ودواءً وحناناً ومحبةً وللذين لم يعرفوا المسيح كإله أن يعرفوه أيضاً.

وهكذا كان…

ذهبت لمدرسة القرية، بعد أن قمت بتحضير قطع من الكرتون الصغيرة الملّونة، وشرحت الموضوع لمدير مدرسة القرية الذي رحّب جداً ووزّعها على الأطفال وأخذ كل طفل يكتب عباراته وصلاته بيده طالبين من طفل المغارة ما يشاءون من أجل كل العالم.

وجاء اليوم الموعود لتزين الشجرة، قُمنا بتركيبها وتزينها بأزرار مضيئة فقط، وقام كل طفل بتقديم صلاته و تعليقها على الشجرة، فرح الأطفال بهذا العمل لا يوصف، وفرحت جداً بأنني استطعت أن أنقل فكر وصلاة الطفل نحو العالم بأجمعه ليحب حتى الذي لا يعرفه.

قديماً قادت النجمةُ المجوسَ نحو طفل المغارة فسارعوا وقدّموا له الهدايا، أما اليوم فالذي يقوم بهذا الدور هي الكنيسة، لذلك استبدلنا النجمة التي تعلو الشجرة بصورة عن كنيسة القرية وقلنا بأن الكنيسة هي التي تجمع صلاتنا وتقودنا نحو طفل المغارة ونحو الخلاص.

في هذا الميلاد أتمنى للجميع أن يعلّقوا على شجرة العيد صلاة ما تخطر ببالهم لطفل المغارة من أجل خلاص العالم وليسمّوا شجرتهم كما أسميناها نحن في رعيتنا: “شجرة الصلاة والمحبة”.

وكل عام وأنتم بخير

الأرشمندريت سلوان أونر

ميلاد 2007

اليونان

وحدة الإيمان

أصدر البابا بينيدكتوس االسادس عشر وثيقة في 10 تموز 2007 وتخص مصطلح “الكنيسة” … وكيف تستخدمه الكنيسة الكاثوليكية؟ وعلى أي من الجماعات المسيحية يتم إطلاقه ؟ ويوضح فيه أنه بالرغم من تسمية الكنيسة الأورثوذكسية بـ “كنيسة” ولكنها تبقى “ناقصة”. إذ من خلال هذه الوثيقة يتضح وجود مشكلة كبيرة حول مفهوم “الكنيسة” بين الكنيسة الأورثوذكسية وكنيسة روما الكاثوليكية. هو أكد أن الاعتراف بالبابا رأساً للكنيسة أمر ضروري لتصبح الكنيسة كاملة.

لا يوجد شيء جديد في هذا الخبر ما عدا أنه يؤكد علناً ورسمياً موقف الفاتيكان من الكنيسة الأورثوذكسية. فالحوار الصادق يكون عندما تكشف كل الأوراق وللجميع. ولهذا، أنا سعيد.

في البداية أريد توضيح شيء بأنني كاهن أورثوذكسي وأتكلم باسمي الشخصي ولا أتكلم باسمي متروبوليت ولا بطريرك الكنيسة الأورثوذكسية، وما أكتبه تعبير عن رأي الشخصي.

ملاحظات حول نص البابا:

ورد في النص:

“السؤال الرابع: لماذا يستخدم المجمع الفاتيكاني الثاني عبارة “كنيسة” للإشارة إلى الكنائس الشرقية، المنفصلة كاملاً عن الشركة مع الكنيسة الكاثوليكية؟

الجواب: أراد المجمع اعتماد الاستخدام التقليدي للكلمة “لأن هذه الكنائس، المنفصلة، لديها أسرار صحيحة وبالأخص – بسبب الخلافة الرسولية- سرّي الكهنوت والإفخارستيا، وبهذا تكون مرتبطة معنا وعلى مسافة قريبة جداً” وتلقب بـ “الكنيسة الخاصة أو المحلية”، وتسمى الكنيسة الشقيقة للكنيسة الكاثوليكية.

“في خدمة سر الشكر الإلهي وفي كل كنائس الله، هو حاضر فيها وفاعل”. لكن مادامت الشركة مع الكنيسة الكاثوليكية، التي رأسها المرئي هو أسقف روما خليفة بطرس، لا تتم مع تلك الكنائس المحلية المنفصلة عنها بل فقط مع تلك التي تنطوي تحت عقائدها، لذلك يعتبروا كنائس محلية، لنقصان هذا العنصر الهام في الشركة”.

ومن ناحية أخرى، بسبب الانقسام بين المسيحيين، فإن انتشارها في العالم لم يتحقق عبر التاريخ، لذلك فإنه يناسب الكنيسة أن يديرها خليفة بطرس والأساقفة الذين بشركة معه”.

وإليكم النص باللغة الإنكليزية كما ورد على صفحة الفاتيكان الإلكترونية الرسمية:

سيحاول البعض من الإخوة في الكنيسة الكاثوليكية توضيح الأمور أو هذه النصوص على طريقتهم الخاصة، ليقولوا أن البابا لا يقصد هذا أو ذاك، (كما كتب على صفحة الانترنت للاتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة إذ يقول:

“موضوع الوثيقة هو كيفية استخدام المصطلح في الكتابة اللاهوتية أو في الأوراق الرسمية ، وليس الهدف منه التشهير بهذه الكنيسة أو تلك أو الإنقاص من كرامة الأشخاص الذين ينتمون إلى أي جماعة كنسية، حتى وان تحدّثت الوثيقة عن ” الجرح والنقص” في كون الكنائس الخارجة عن الكنيسة الكاثوليكية غير مرتبطة بخليفة القديس بطرس”).

أرجو منهم عدم استخفاف بعقول وفهم أحد، نحن نفهم النصوص وما ورائها، والوثيقة لم تكتب شيئاً لا نعرفه بل هي أوضحت الأمور بشكلها الرسمي، إنها، كما نقول، كشفت الأوراق. أرجو أن لا يخاف الأخوة الكاثوليك (وخاصة في الشرق) على الحوار وإلى أين سيصل، لعلنا نتحاور، والكل يعرف، لنستطيع فقط قبول الآخر وعيش محبته بالرب، ولكن عندما نصل إلى النقاط الأساسية العقائدية ستكون لنا وقفة طويلة ولعلها أبدية، والكل يعرف ذلك. ولكن مع ذلك سنبقى على حوار معهم لأن المسيح علمنا أن نحب بعضنا بعضاً.

قبِلَ الأرثوذكسيُّ أن “ينكر ذاته ويحمل صليبه ويتبع المسيح”. وقبِلَ أن يقال بأن المميز العام للكنسية الأورثوذكسية، عمود الحقيقة الثابت، أنها ضعيفة، وبرأيي الشخصي إنّ الله أرادها كذلك. فإذا كان الخلاص يعني محبة الأعداء، على غرار محبة المسيح لأعدائه، عندها أنا أفضِّل ضعفي على الجبروت. إذا كان الضعف يستدعي الروح القدس، فإن ضعفي هو أكثر فائدة من العظَمة والقوة.

الكنيسة الأورثوذكسية يمكن أن تكون الأضعف من البقية، لأنها تستند، لحظة بلحظة، على المحبة والمسامحة، الشخص يسامح الكل والكل يسامحون الشخص. أيها الأخوة، “لنحب بعضنا بعضاً لكي بعزم واحدٍ نعترف مقرّين: بآب وابن وروح قدس” هذه هي الكلمات التي نرددها في كلِّ قداس إلهي، وهي الأساس والصخرة لمفهومنا “للكنسية”.

الله أسس كنيسته على الصليب، لذلك يمكن للحب فقط أن يربط الكنيسة ببعضها لا شيء آخر. ( فيا ترى، بهذه الوثيقة، أنتم تحبون الآخرين أم تجرحونهم؟).

في الكنيسة الأورثوذكسية يتم تعريف “اللاهوتي” بأنه هو الشخص المصلّي و “المصلّي” هو “اللاهوتي”. وأقصد بإشارتي هذه إلى أنه يمكن أن يكون الإنسان قروياً غير متعلم ولكنّه عملياً، بسبب صلاته الحقيقية، لاهوتيٌّ كبير أعظم من شخص لديه شهادات عالية في اللاهوت ويستطيع كتابة صفحات كثيرة وتأليف كتب. وذلك لسبب واحد أن: اللاهوت هو عن الله كحقيقة وليس كفكر. العقبة التي تصعِّب على الإنسان معرفةَ الله هي القلب البشري القاسي، “طوبى لأنقياء القلوب فإنهم لله يعاينون”.

لقد درستُ لسنوات طويلة ومازلت أتابع دراساتي وأستطيع التحدث عن بعض الأمور- ولكن عندما أكتب (وخصوصاً عبر صفحة المنارة)، أنا الشخص المتواضع المعرفة، أكتب بشيء أشعره. هناك أمور كثيرة أرغب بمعرفتها ومعرفتها جيداً، ولكن فقط إذا كانت تخدم معرفة الله. الكثير من الدراسات اللاهوتية لا تخدم هذه المعرفة.

شرط بسيط لتتوحد الكنائس فيما بينها، في البداية وقبل أي حوار، هو أن تتشبه كل واحدة من الكنائس بالمسيح، عندها سنجد نقاط كثيرة للتلاقي والحوار، بالتالي وفقط عندها يمكن الحديث عن وحدة حقيقية بين هذه الكنائس. أرغب أن أحث نفسي وكل من هم حولي أن يتشبّهوا بالمسيح. محبة الله، محبة الأعداء، مسامحة الجميع، الصلاة الحقيقة، تستجلب نعمة الروح القدس، الذي به يكون الخلاص. فإذا كنت لا تظهر محبتك للآخرين فكيف تدعي أن الخلاص لك ولكنيستك فقط؟

المجد لله على كل شيء.

الأرشمندريت سلوان أونر

اليونان

تجول في خاطري أسئلة كثيرة عن عيش ملكوت السماوات على الأرض، ولعل الأجوبة كثيرة في الكتاب المقدس، ومن بين تلك الأسئلة: كيف يمكن إلتماس السماء ونحن على الأرض؟

يقول القديس سيرافيم ساروف: “ابحث عن السلام الداخلي الذي فيك، عندها آلاف من البشر من حولك يخلصون”. ولكن كيف يجد الإنسان السلام الداخلي؟؟

المعنى الحقيقي ليكون الإنسان مسيحياً حقاً هو أن يعيش بسلام داخلي. قال السيد لتلاميذه: “سلاماً أترك لكم، سلامي أعطيكم، ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا. لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب”. (يوحنا 27:14) المسيح إله السلام، وأساس العيش معه هو السلام. حين تعيش بسلام داخلي فهذا يعني أنك تعيش مع المسيح، وبالتالي أنت في السماء تحيا وجسدك على الأرض. هذا السلام ليس مجرد فقدان النزاعات أو المشاكل، لا بل على العكس في خضم كل المنازعات والمشاكل نحتاج إلى السلام الداخلي.

السلام الذي يقدمه لنا السيد المسيح، ليس كأي سلام ناتج عن مفاوضات ومناقشات، وإنما هو سلام داخلي حقيقي قائم على أساس محبة الله لنا، فيأتي من الله بعد جهادٍ صبور ضد ضجيج شرور العالم. السلام العالمي ليس السلام الحقيقي لأنه قائم على هدنة واتفاقية لا على أساس المحبة التي تعطي مجاناً سلاماً أبدياً آتياً من السماء، يكون شيئاً أساسياً في حياة المؤمن بالمسيح وليس حالة استثنائية مؤقته. (كنتيجة صحيحة لعلاقته مع الله).

السلام الذي يقدمه لنا السيد هو تذوق مسبق لملكوت السموات. وكأننا نتذوق حلاوته ونحن على الأرض.

هذا التذوق للسلام الحقيقي الآتي من المسيح هو لحظات ننتقل بها إلى الملكوت.

هذا السلام يحررنا من الخوف. لا يوجد شيء يُضْعف النضوج الروحي مثل الخوف. الخوف يدفعنا إلى التراخي. والسيد يمنحنا السلام الداخلي لكي يحررنا من هذا الخوف. وعندما يمنحنا الرب هذا السلام نلاحظ مقدار عمل نعمته في حياتنا، وعندها نشعر بمقدار حاجتنا لها باستمرار. ونحن نتسآءل كيف استطاع ويستطيع القديسون مواجهة الإضطهادات والاستشهاد بفرح وهدوء وسلام؟ والجواب هو السيد المسيح الذي يمنحهم هذا السلام في هذه اللحظات الصعبة وكل لحظة في حياتهم.

عندما نلتمس نعمة الله في حياتنا ندرك أنها تعتمد على اتكالنا عليه، فهو مخلصنا وسنَدنا في لحظات الضعف والقوة. كاتب المزامير يقول: “هؤلاء بالمركبات وهؤلاء بالخيل. أما نحن فاسم الرب الهنا نذكر”. (مز7:20). عندما نركّز اهتمامنا على الرب كمصدر لخلاصنا وسعادتنا، عندها نشعر بالإطمئنان الدائم أن الله بجانبنا، ولن نخاف شيئاً بسبب اتكالنا على الله.

بالنهاية هذا السلام يملؤنا بالأمل. لا شيء يجلب الأمل بالمستقبل مثل الروح التي تحيا بسلام. أما عندما تكون روحنا مليئة بالاضطرابات يبدو المستقبل شيئاً خطيراً ومخيفاً. أن تكون مليئاً بسلام المسيح فهذا يسمح لك أن تواجه المستقبل بثقة. الله يعرف أين أنا ذاهب وسيعتني بي. بالحقيقة هو يحبني أكثر مما أحب أنا نفسي.

هكذا نلتمس السماء بأن نبدأ الإتكال على الله فيزول الخوف والاضطراب من حياتنا ونصلي مجاهدين فيعطينا الله من نعمته هذا السلام الداخلي الذي يخوّلنا أن نلتمس العيش معه ونحن على الأرض، لأنه هو إله السلام.

الأرشمندريت سلوان أونر

اليونان

من نافذة غرفتي أخذت أراقب الناس الذين يمشون في الخارج مسرعين، وكأنهم غاضبين من كثرة المطر، أو لعلهم يسرعون ليدركوا المحلات قبل إغلاقها، كانت الأوجه غير سعيدة وقلقة… وعندها تساءلت: “ما الذي ينقصنا؟ لماذا لا أرى أناساً فرحين، أو شباباً متزناً واثقاً من نفسه، أو أهلاً هادئين وواعين لتصرفاتهم كراشدين؟ وأيضاً: ما دمنا نملك -نظرياً- كل ما نريد في حياتنا، لماذا نشعر بفراغ كبير في داخلنا؟”

حاولت مناقشة هذا الأمر مع مجموعة من الشباب، عندها بدأنا نتلمس مشاكلَ كثيرةً سبباً للفراغ الكبير الذي نشعر به في داخلنا. لعل السبب هو أننا تعلمنا أن نواجه ما نريد من مشاكل حياتنا وليس ما لدينا منها، تالياً نشعر باليأس بسبب الإحباطات التي نتعرض لها.

إذا فكّرنا جدياً بالموضوع نرى أننا نتذمر دوماً ولأسباب كثيرة، نظراً لأنه ليس لدينا ما نريد من مال، أو لم ننَل علامات جيدة بالامتحانات، أو نظن بأن أهلنا لا يفهموننا، أو نريد تغيير الموبايل لنحصل على موديل أحدث…الخ فبدل أن نقدّر ما نملك- لأننا بالتأكيد نملك شيئاً- ماذا نفعل؟؟؟ نستمر بالتذمر والقول: “أريد المزيد!” كن على ثقة إذا امتلكت كل ما تريد وما ترغب به، فإن ذلك لن يملئ الفراغ الموجود في داخلك.

هل من الممكن أن تكون ضعفاتنا هي سبب كل ما نطلب؟ هذا ممكن، ولكن بالحقيقية علينا أن نتعلم ماذا نطلب؟ والطلب الحقيقي الذي يملي هذا الفراغ أن نطلب شخصاً لا شيئاً.  شخصاً يحبنا، يسندنا دوماً، يسمعنا عندما نتكلم، يهدّئنا عندما نبكي، يمكنه أن يكون صديقاً لنا، يقف بجانبنا عندما نتألم، يعطينا السعادة، يقبلنا على ضعفاتنا، يقوّينا ويعطينا نعمته، يعطينا ملكوته السماوي، وما ذكرناه آنفاً كله يكون فقط إذا اخترنا بحريتنا أن نعيش بقربه.

يكفي أن نفتح بوابة قلبنا لنعطيه فرصة أن يعطينا كل ما وعدنا به. عندها نكتشف بأننا لسنا بحاجة في هذه الدنيا إلا لهذا الشخص الذي هو الرب يسوع المسيح.

الأرشمندريت سلوان أونر

اليونان

العيشُ مع المسيح مبني على أساس قدرة الإنسان على أن يدعوه للسكنى في قلبه. فوجوده على شفاهنا أو على أوراقنا أو على جدراننا أو في متاحفنا، لا يعني أننا نعرفه، بل نتوصّل لمعرفته عندما يسكن في قلبنا، لأن المسيح هو المحبة، والقلب هو عرش المحبة.

إذا كان المسيح في قلبك، فهو إلهك. أما إذا كان موجوداً على شفتيك أو على أوراقك أو على جدرانك أو حتى في المتحف، فحتى ولو قُلتَ بأنه إلهك، فهو تسليتك وأنت لا تعرفه. فانتبه، لأن الذي يلعب ويتسلى مع الله لا يهرب من العقاب.

القلب، نظرياً، عضو صغير، ولكن يمكن أن يسكن فيه الله. فيصبح ممتلئاً، ولا يسع فيه أي شيء آخر. وإذا وضعتَ فيه العالم كله بدون الله فإنه يبقى فارغاً.

يا إخوة، دعوا المسيح وسيد الكون يسكن قلوبكم بالإيمان، فتمتلئ هذه القلوب، لأنه لن يسكنها بدون الإيمان. وإذا لم عندكم إيمان، فسيبقى المسيح على شفاهكم وفي أوراقكم وعلى جدرانكم وحتى في المتاحف التاريخية. لأنه ما الفائدة؟ ما الفائدة أن تضعوا معطي الحياة على شفتيكم والموت في قلبكم؟ لأنكم إذا احتفظتم بالعالم بأكمله في قلوبكم والمسيح على شفاهكم، عندها كأنكم تحتفظون بالموت في قلوبكم والحياة على شفاهكم. أسكِنوا المسيحَ الحيّ في قلوبكم وعندها ستشعرون بفرح لا يوصف.

أيها السيد القائم، طهِّر قلوبنا من الأهواء المميتة الممتلئ منها، وتعال أنت إليها، لنصبح أحياء ونمجدك. لأنه بك يليق المجد والشكر إلى الأبد.

أيها السيد القائم، أنر أذهاننا بنورك، لكي نقبل بسهولة أكبر محبتك غير المدركة نحو البشر، ونبكي من الحزن لقساوة قلوبنا وفساد ذهننا وشرّه، لكي نبكي من الفرح لمحبتك لنا، نحن الأشرار الفاسدين.

آمين

العودة لبداية المدونة
 << 1 2 3 4 ... 41 42 43 44 45 46 47 48 49 >>