+ مدونة المتروبوليت سلوان أونر +



لطالما أحببت العمل مع الشباب لأن كنت أرى فيهم تلك الروح الحية التي لا تقبل بالأمر الواقع الغير الصحيح، أو الجامد الغير الحي. راغبين أن يجددوا الماضي والحاضر ليكون المستقبل في أفضل حال. وكأنهم يحملون شعلة ملتهبة لا تنطفئ

ولطالما ناشدتهم بذلك، مركّزاً دوما على أن المستقبل لا يمكن أن يكون أفضل إن لم يكن الحاضر الذي يعيشونه نابض بالحياة ومتجدد بالروح القدس، و المستقبل الأفضل يكون بالعمل الجاد، باحثين ومجتهدين مقدّمين ما يمكن ولكـــــــن هنا كانت خيبة الأمـــــل!!!!!!!!!!

فعندما تسألهم ماذا أنجزتم حتى الآن؟ (وذلك في كل النواحي العلمية، الروحية، الشخصية الأجوبة مخجلة أو لا جـــــــــــــــواب لا الصلوات، لا الكتاب مقدس، لا الأسرار، لا الكتب الروحية، لا الكتب الفكرية أو العلمية الجادة، لا العمل في الكنيسة، لا حماية الأرثوذكسية من الذئاب الخاطفة، يشكلون شيئاً مهم في حياتهم

هذا كان يؤلمني. وكأن بالشعلة التي أراها بين يديهم تكاد أن تنطفئ. (أكتب هذا ونهران صغيران يتدفقان من عيناي يحرقان وجهي، من لوعة ما قد احترق في داخلي). هل بات الخمول والكسل والضياع و… من سمات شباب اليوم؟

لا لم أستطيع قبول ذلك وجاءني الجواب يوم 15 من تشرين الثاني، عندما سمعت عن أول محطة إذاعية على شبكة الانترنت واسمها الأرثوذكسية بالحقيقة تفاجئت أو لم أتوقع ذلك من شباب هذا اليوم. والشيء الثاني الذي فاجئني بأن يكون اسمها الأرثوذكسية. كنت أظن أنهم لا يعرفون هذه الكلمة أو حتى لا تهمهم. ولكن يا…أو من يعمل معكم من وراء الكواليس

شكراً جداً لأنكم حققتم ما كنت أحلم به. (مع العلم أنني لم أتوقع أنه سيتحقق) وثانياً لأنكم أثبتم ما أؤمن به من جهة الشباب أنهم دوما يجددون الماضي والحاضر ليكون المستقبل أفضل. وثالثاً أنكم ألهبتم الشعلة من جديد وأعطيتموها لهيب من الروح القدس لا ينطفئ أبداً في النهاية أتمنى من كل شباب كنيستنا الأرثوذكسية أن يحملوا الشعلة بين يديهم وهي ملتهبة بنعمة الروح القدس مقدسة حاملها ومنيرة له الطريق مهما كثر ظلامه بسبب قوة الشيطان التي تزداد يوما بعد يوم، وأن لا يقبلوها أن تخبوا يوما ما لي رجاء وثقة وأمل أنكم فاعلون ذلك.

الأرشمندريت سلوان أونر

تسالونيك اليونان

وقفتُ للحظاتٍ طويلةٍ مع نفسي متسائلاً ما هي الطريقةُ المثلى لوداعِ هذه السنة واستقبالِ السنة الجديدة؟ تساءلتُ كثيراً، والأجوبةُ كانت غزيرةً، إلا أنني لم أستطِعْ أن أُبعِدَ عن ذهني ما يحدثُ أو سيحدثُ لشبابِ هذا العالم. فهناك الكثير منهم يعيشونُ بألمٍ كبير. فماذا أستطيعُ أنْ أفعلَ لهم؟ كيف أساعدُهُم؟ تحيّرتُ، وفكرّتُ كثيراً، ورغم شعوري أنني لا أستطيعُ مساعدةَ هؤلاء المتألمين، إلا أنني وجدتُ أنَّ الحلَّ هو بيدِ الله وبيدِهم، ولكن يمكنني أنا أيضاً أن أفعلَ شيئاً – ودوري هامٌ جداً وفعّال- أستطيعُ وبحرارةٍ!!!! أن أصلّيَ لهم

فقرّرتُ أن أودّعَ هذه السنةَ وأنا أصلّي لشبابِ هذا العالمِ الذين يتألمون وأدعوكُم جميعاً أن تصلُّوا لأجلِهم، فكثيرٌ منهم يتعرضّون في حياتِهم لليأسِ والاعتداءِ والاستغلالِ والأمراضِ المستعصيةِ وللذين لم يعرفوا الربَّ بعدُ فاستحوذَ الألمُ على قلبِهِم وحوّلَ حياتَهم إلى جحيمٍ

هناكَ شبابٌ تعلّقوا بالمخدّرات فسيطرتْ على عقولِهم وتصرُّفاتِهم وحولّت حياتَهم إلى ألمٍ لا يتوقّف، إذ يفقدُون بتأثيرِها الشعورَ بالدنيا من حولِهم ويبدُون وكأنّهم موجودون في هذا العالم ولكنّهم لا يعيشون فيه

هناك شبابٌ يعيشون بفراغِ سبّبته مصاعبُ حياتِهم الخاصّة ولم يعرِفوا أنّ المسيحَ هو سَندُ حياتِهم وهو مخلّصُهم وشافيهِم ومالئُ كلّ حياتِهم بكلّ أملٍ ورجاءٍ وفرحٍ وبدونهِ تصبحُ الحياةُ فارغةً من معناها

وآخرون دمّرتِ الحروبُ بيوتَهم أو مدارسَهم أو جامعاتِهم فينظرونَ إلى المستقبلِ ولا يرون فيه أيَّ بصيصِ أملٍ بل يقتصرُ إحساسُهم بالسعادةِ في حياتِهم على أحلامِهم في ساعاتِ النوم فقط وعندما يستيقظون تكونُ الصدمةُ التي لا تُحتَمَل فيفكّرون بالانتحارِ وبعضُهم يُقدِمُ على قَتلِ نفسِه فيخسرون هذه الحياةَ والحياةَ الثانيةَ التي ينتظرُهم فيها المخلِّصُ

وهناك بالإضافةِ إلى ما ذكرناه أشياءُ أخرى كثيرةٌ تجعلُ من حياةِ شبابِنا ألماً مستمراً، وهم خاصةً في نموِّهِم العاطفي يتصرّفون كما يشاءون بدون الإصغاء إلى نُصحِ الكنيسة أو توجيهها، فتنمو عاطِفَتُهم بشكلٍ عشوائي مشوَّشٍ وبالنتيجةِ لا يعودون قادرين أن يأخذوا قراراتِهم عندَ اللزومِ بشكلٍ صحيح

ألا نعرفُ كلُّنا أنَّ لعبةَ الشيطانِ الحاليةِ هي إبعادُ الإنسانِ عنِ الله وتحويلِ قلبِه إلى صخرةٍ قاسيةٍ، إذ يجعلُه يرى محبةَ الآخرين بمقدارِ ما يقدّمونه له، فينسى الإنسانُ أنَّ الحبَّ هو عطاء صرف، ينسى أنّ اللهَ أحبَّنا حتى أنه بذَلَ ابنَه الوحيد من أجلِ خلاصِنا. وبقساوةِ قلوبِ البشرِ يصبحُ العالمُ أكثرَ عنفاً، ويسهِّلُ التدميرَ والقتلَ. فلهولاءِ الذينَ لم يتعلَّموا مِنَ السيّدِ أنّ المحبةَ هي بمقدارِ ما تُعطي وتضحِّي، وللذينَ قسَتْ قلوبُهم بسببِ العنفِ والغرورِ نقولُ إنّ محبةَ الإنسانِ الحقّةِ تتبلورُ في تقديمِه محبّتِهِ مجاناً للآخرين وهذا ما نريدُه بكلّ تأكيد لنا جميعاً ولكل شباب العالم

ولكن من أين يتأتّى الألمُ في الدنيا؟  نعتقدُ أنَّ مصادرَ الألمِ كثيرةَ ولكنْ يمكنُنا تصنيفُها إلى مصدرَين: الأولُ خارجيّ والثاني داخليّ. أمَّا الخارجيّ فيأتي من الشيطانِ والعالمِ من حولنا والداخليّ يأتي من خطايانا وضعفاتِنا.  فإنْ كان من الآخرين فاحرَصْ أن لا تكونَ أنت المسبّبُ لألمِ الآخر، وإن كان من الخطيئة فاحرَصْ أن تُعينَ نفسَك بالصلاةِ و الصومِ والمحبةِ و الاعتراف …. المهمُّ أن لا تكونَ أنتَ مصدرَ الألمِ في حياةِ الآخرين. ولكنَّ الألمَ في حياةِ الإنسانِ أمرٌ نسبيّ ومتبدّلٌ وهو أحدُ أوجُهِ الحياةِ بعدَ السقوط، ولكي تكتملَ رؤيتُنا الصحيحةُ للحياةِ والألمِ الذي يقاسيه الشبابُ في العالمِ ينبغي أن نتطلعَ إلى الوجهِ الآخرِ للأمور، أي إلى حضورِ الله في حياتِنا نحنُ البشر ووقوفِه الدائمِ إلى جانب خليقتِه. وليسَ أدلّ على تحرُّكِ اللهِ وانعطافِه للألمِ البشريّ من صورةِ يسوعَ المسيحِ في الكتابِ المقدس وحياةِ الكنيسة، إنه البلسمُ الشافي دوماً لكل آلامِ البشرِ وحاضرٌ دوماً ليجعلَ من آلامنا أمراً مقبولاً محتَمَلاً ويحوّلها إلى بركة في حياتنا من أجله حين نحتمِلُها بصبر. وبالنتيجةِ، للهِ دورٌ حاسمٌ في هذا الخصوص، ولنا نحنُ البشر دورٌ أساسيٌ بالصلاةِ والصومِ والصبر، فلنفعل ما نستطيعُ ولنترُك باقيَ الأمورِ لحكمةِ اللهِ ومحبتهِ اللتين لا تُحدَّان ولا تُوصَفان وانطلاقاً من محبةِ اللهِ لخليقتِه جميعاً ولكلِّ المتألمين في هذه الدنيا، ومن ضِمنِهم شبابُ العالم، نرفعُ جميعاً قلوبَنا إلى الله في نهايةِ العامِ المنصرمِ ونتطلعُ إلى تحنُّنِه وإشفاقِه عليهم وعلينا جميعا في العامِ الجديد ونبتهل قائلين
أيها الربُّ المتحنّنُ، نعرفُ أنكَ سريعُ الاستجابةِ لكلّ طالبيك. لقد علّمَنَا تلميذُك الحبيبُ يوحنا، إننا مهما طلبنا من الآبِ باسمِك وحَسْبَ مشيئتِك… فإنّه يسمعُ لنا على الفور يا لك من أبٍ رحيمٍ، لا تشاء أن يُذَلَّ أولادُك بتركِهم يتوسلون إليك دونَ أن تستجيب… علَّمتَنا هذا يا ربُّ في مثَلِ قاضي الظلم، بل وقد أوصيتَنا صراحةً أن لا نكرِّرَ الكلامَ باطلاً في صلواتِنا فنطلبُ إليكَ في هذا اليوم
” من أجلِ كلِّ شابٍّ قد تعلّقَ جسدياً أو روحياً بالمخدرات فآلمَته وأبعدَتهُ عن الخيرِ والمحبةِ

من أجل شفائه وخلاصه منها من أجلِ كلِّ شابٍّ مريضٍ فقَدَ الرجاءَ في هذه الدنيا فلَمْ تعُدِ الحياةُ بالنسبةِ له ذاتَ معنىً. فاشفِهِ يا ربُّ وعرّفهُ أنكَ قادرٌ على كلِّ شيء

من أجل كلِّ شابٍّ متألمٍ يشعرُ بفراغٍ في حياتِه، في فكرِه، في روحِه، في شخصيتِه وفي عاطفته، فلا يجدُ معنىً أو هدفاً لكلِّ أمرٍ يفعلُه فاملأ يا ربُّ قلبَه من روحِك القدُّوس، أنتَ المالئُ الكلَّ من أجلِ كلِّ شابٍّ دخلتِ القسوةُ إلى قلبِه فباتت كلماتُه، أفعالُه ونظراتُه فارغةً من الرحمةِ والحنانِ والعطف فأعطِه يا ربُّ أن يعرفَ التوبةَ كالقديسِ موسى الأسود

من أجل كلِّ شابٍّ دخلَ العنفُ إلى تصرفاتِه أو تعرّضَ للعُنفِ فتألَّمَ منه بسببِ طباعٍ صعبة أو إرهاقٍ أو مرضٍ عصبيّ أو غرورٍ فأعطِهِ يا ربُّ أن يعرفَ الحقَّ بك

من أجل أن تتعطّفَ وتتغاضى عن هفواتِ وخطايا شبابِ هذا العالمِ التي اجترموها في هذهِ السنةِ وتنظرَ إليهِم بعينِ الرأفةِ وترحمََهم من أجل أن توطّدَ أيها الربُّ إلهُنا روحَ السلامِ في العالم أجمعَ، وتثبّتَ شبابَ كنيستِك المقدّسةِ في الإيمان مبعداً عنهم كلَّ خللٍ و مرضٍ و جوعٍ و فقرٍ و فراغٍ، حافظاً إياهم من الأعداءِ المنظورين وغيرِ المنظورين.
آمين وكل عام وأنتم بخير

الأرشمندريت سلوان أونر

هكذا بادرَ الملاكُ العذراءَ متكلِّماً:  إفرحي

عندها اضطربت وفكَّرت: ما عساها تكون هذه التحية؟ لماذا قال إفرحي؟

وعن أي فرحٍ يتكلمُ؟

أأتى الملاكُ ليقولَ لمريمَ أنَّ ذاكَ الفرحَ الذي خَسِرَهِ آدمُ بسُقوطهِ سيعودُ ثانيةً؟

فآدمُ عندما كانَ بقرب الله كانَ في ملئ الفرحِ. يُكلمُ اللهَ واللهُ يكلمُهُ، ولكن بخطيئتِهِ ابتعدَ عنْهُ وخسر هذا الفرح الإلهي، وأصبح هو وكلُّ الإنسانيةِ تحتَ وطأةِ الناموس. جاء الملاكُ صارخاً افرحي، إنَّ اللهَ سيصبحُ بينكم ويعود الفرحُ إليكم، إن الإلهَ سينتشِلُكُمْ من وطأةِ الناموسِ مُعطياً إياكم عهداً جديداً خلاصياً، ليكونَ الدويُّ نحوكِ “إفرحي يا استعادة آدم الساقط… افرحي يا نجاة حواء من البكاء والنحيب… افرحي يا من بها تتجدد الخليقة” (البيت الأول)

فأيُّ لحظةٍ مباركةٍ هذه، لقد جاء الفرح إلى العالم وكلُّ شيءٍ تغيّرَ، مصدرُ التعاسةِ سابقاً بشخصِ حواءَ، أصبح الآن بشخصِ العذراءِ مصدرَ الفرحِ، ذلك لأن المسيح قد تجسد منها وأضحت هي: هي شجرة الحياة التي كانت سابقاً سبب السقوط، وأضحى المسيح ثمرها الذي نأكله منها ونحيا به إلى الأبد:

“إفرحي يا شجرةً لذيذةَ الثمرِ يغتذي منها المؤمنون       إفرحي يا غرساً ذا أوراق حسنة الظلِّ سيستظلُّ به كثيرون”

إن المتمعّن في أبيات المديح يلحظ فيه قسمين:

قسمٌ يحتوي على البشرى بأن المخلص آتٍ من العذراءِ، لذلك نصرخ نحوها افرحي، النور سيشرق والظلمة ستضمحل والخليقة ستتجدد مرتفعة إلى العلى مع الرب المنحدر من تلقاء ذاته: “إفرحي يا كوكباً مُظهراً الشمسَ، إفرحي يا من بها تتجددُ الخليقةُ، إفرحي يا من بها صار الخالقُ طفلاً”. قسمٌ آخر نرفَعُ فيه التمجيد كما الملائكة في السماء الصارخين دوماً نحو الربِّ بدون إنقطاعٍ هلليلوييا

ونتسأل: لماذا صرخنا بادئ بدءٍ افرحي ثم هلليلوييا؟ نصرخُ افرحي مخاطبين العذراء: المسيحُ آتٍ منكِ وسيصبحُ بيننا، ولأننا لم نفهم كيف تمَّ ذلك السُّر العجيبُ بعقلِنا المحدودِ، كيفَ الالهُ يصبحُ إنساناً؟، لهذا نمجّده صارخينَ: “إن الطبيعة الملائكية قد ذَهِلتْ بأسرها من فِعلِ تأنُّسِكَ العظيمِ لمشاهدتِها الذي لا يُدنى منه، مع أنه إلهٌ، إنساناً مدنّواً إليه من الكلِّ متصرفاً معنا وسامعاً من الجميع هكذا

*هلليلوييا*

المراد قوله يا إخوة: في أي نوعٍ من صلواتنا الرائعة، التي نُشاركُ بها في هذا الصوم المبارك، وحتى خارجه، علينا أن نقدّم دوماً كلَّ أنواعِ الصلوات: التسبيحَ، الشكرَ والتمجيدَ بحيث تنبعُ من أعماقنا ويشعر بها كلُّ كياننا فدعونا يا إخوة ألا نحوّلَ ليتورجيتَنا الرائعةَ إلى ممارسةٍ دينيةٍ وأحياناً اجتماعية ودعونا ألا نحوّل الصلاة إلى تمتماتٍ لا فائدةَ منها، بل دعونا نحيا ليتورجيةَ كنيستِنا بعمقها ولاهوتها فنكون جزءاً منها وهي جزءٌ منّا، ودعونا نحيا الصلاة حياة حقيقية حتى نحققَ المسيحَ في داخلنا، وفي وسطنا، عندها سنقول لأنفسِنا بحقٍّ: إفرحي يا نفس إن المسيحَ فيكِ، فكوني طاهرة ومستعدة دوماً. وعندما نحققُه حقيقةً سيعجِزُ لساننا وقلبُنا عن القولِ سوى

*هلليلوييا*

الشماس سلوان أونر

البلمند 1999

عظة الفصح 2007

حاجاتُ الإنسانِ الروحيةُ كثيرةٌ و مختلفةٌ، كأنْ يُحِبَّ ويُحَبَّ محبةً لا أنانيةَ فيها، أن يغلبَ الموتَ ويصبحَ خالداً، أن تُغفَرَ خطاياهُ التي بإرادتِهِ والتي بغير إرادته المسببةُ له الحزنَ وعدمَ راحةِ الضميرِ والمفسدةُ حياتَه. لكنه بالنهاية يميل لتجاوزِ المادية ولتحقيق المطلقِ والأبدية

الذي يؤمّنُ هذه الحاجات هو السيدُ المسيحُ المتجسدُ القائمُ – الذي صلبَ الموت. إذْ يوضحُ بصلبِهِ الطوعيِّ قبولَه الإنسانَ الخاطئَ، إذ قدّمَ نفسَهُ ضحيةً ليس من أجل أصدقائه الأبرارِ بل من أجل أعدائه الذين صلبوه. كما يقولُ بولسُ الرسول: “ولكنَّ الله بيّنَ محبتَه لنا لأنّه ونحن بعد خطأةٌ مات المسيحُ لأجلنا” (رو8:5)

يعيشُ الإنسانُ بالوحدةِ عندما يهجرُه الآخرون ويزدرون بشخصيتِه ويسخرون من خطاياه وضعفاته، ولكنْ داخلَ كلِّ ذلك يستطيعُ كلُّ متّكلٍ على اللهِ أنْ يشعرَ بأنَّ اللهَ يحبُّهُ ويقبلُهُ ويقدِّمُ له ذاتَه بالكلية، فتنقلبُ حياتَه ولا يبقى وحيداً بل يكونُ الله معه

صليبُ المسيحِ مثالٌ رائعٌ على محبتِه الكاملةِ المجانيةِ التي هي بدون شرطٍ وأيِّ مقابل. يستطيعُ الإنسانُ من خلالِ هذه المحبةِ أنْ يتشجّعَ لتجاوزِ الخوفِ و عدمِ الثقةِ بالذات والشعورِ بالدونيةِ وبالعُجبِ والأنانية ومن ثمّ يفرحُ بمحبةِ الله للإنسان. ويتمُّ ذلك بأنْ يُشركَ محبتَه مع محبةِ المسيحِ وبهذه المحبةِ يبني علاقتَه مع إخوتِه البشرِ، وبهذه المحبةِ أيضاً يسامحُ إخوتَه البشرَ فيقبلُهم بجانبِهِ ويتقبّلُهم

***

يجيبُ السيدُ بقيامتِهِ من بين الأمواتِ على رغبةِ الإنسانِ لتحقيقِ الأبدية. إذ بموتِهِ غلبَ موتَنا ومنحَنا القيامةَ والحياةَ الأبديةَ. ونحن نعلنُ الحدثَ الأكبرَ في التاريخِ بالترتيلةِ المختصرةِ  “المسيحُ قامَ من بين الأمواتِ ووطئَ الموتَ بالموتِ ووهبَ الحياةَ للذين في القبور” أي الانتصارَ الكبيرَ للبشريةِ ضد الموت. فالذين سيشتركون بمحبةِ المسيحِ المصلوبِ سيشركُهم بانتصارِهِ على الموت، أما الذين يفتقدون هذه الخبرةَ فهم مدعوون أن يختبروها بملءِ حريتِهم، وأنا متأكدٌ أنهم سيشعرون بانتصارِهم الحقيقيِّ على الموتِ وبعيشهم الأبديةَ مع المسيحِ، وستضمحلُّ غمامةُ الظلمةِ للموتِ من لمعانِ نورِ قيامةِ المسيح

***

إنَّ التكّبرَ وكلَّ منتجاتِه، أي خطايانا المختلفة، يمنعون الإنسانَ أن يشتركَ في محبةِ وقيامةِ المسيحِ، لذلك دوماً ينقصُ المتكبرين الفرحُ الحقيقي وسلامُ النفس

كلُّنا لدينا القدرةُ لنتجنّبَ الخطيئة، ولكنْ يخطئُ الكلُّ بسببِ الضعفِ البشري، فيصعب على المتكبّرِ تجاوزُها، أما الإنسانُ المتواضعُ فلا يهدأ إن لم يتأكّدْ أنّ خطاياه غُفرت من خالقِه وأبيه. أهدرَ السيدُ دمَه “لمغفرةِ الخطايا”، ودمُه يطهّرُنا “من كلّ خطيئة” (1يو7:1) فهو يمنحُ رجاءً وفرحاً للإنسانِ التائب. فدمُ المسيحِ يطهّرُنا من الخطايا أياً كان نوعُها وحجمُها. المسيحيُّ الذي يعترفُ بخطاياه أمامَ المصلوبِ وأمامَ أبيه الروحي يعرفُ بالخبرةِ شعورَ المسامحةِ ويمتلئُ بالسلام الداخلي

***

بمقدارِ ما ينجرفُ الإنسانُ وراءَ الاهتمامات الحياتيةِ أو يبتعدُ عن اللهِ بسببِ خطاياه، مؤمناً كان أم لم يكن، يتأكدُ أنّه لا يستطيعُ أن يجدَ نفسَهُ حقيقةً داخلَ الحياةِ الماديةِ الباطلةِ والقصيرة. الإنسانُ كخليقةِ الله يعطشُ لشيءٍ كبيرٍ وأبديٍّ ومطلق، والسيدُ المسيحُ يوجّهُنا إلى الهدفِ الحقيقيِّ للحياةِ الذي هو الاتحادُ مع الله والتألّه، أي أنْ يصبحَ الإنسانُ إلهاً بالنعمة

***

يا أيها المؤمنون لنقوّيَ إيمانَنا ونقويَّ المحبة. والذين يصعبُ عليهم الإيمانُ فليهتمّوا بجديةٍ أكثرَ بشخصِ يسوعَ المسيح، ليقرؤوا كتابَه المقدس، ليتحاوروا مع إخوتِنا وكهنتِنا الذين يملكون علاقةً شخصيةً حقيقيةً مع السيدِ المسيح. والأهمُّ أنْ يضعوا جانباً المنطقَ الغريبَ وادّعاءَ الحداثة، ولْيعودوا أطفالاً ولْيذهبوا إلى الكنيسة بتواضعٍ ومحبةٍ ولْيشتركوا بالخِدَمِ الكنسيّةِ للأسبوعِ العظيمِ والفصحِ ولْيفرحوا معَ كلِّ النفوسِ البسيطة

أنا متأكدٌ أنّنا سنكونُ بخيرٍ بجانبِ السيدِ المسيحِ المصلوبِ والقائم. هناك سنشعرُ بالمحبةِ والمسامحةِ والفرحِ و السلامِ والقداسة. سنواجهُ به كلَّ مشاكلِنا الشخصيةِ والعائليةِ والاجتماعيةِ بقوةٍ أكبرَ واستنارةِ ونعمةِ الله

فليساعدْنا المصلوبُ والقائمُ أنْ نشتركَ في سرِّ الصليبِ وقيامتِه

الأرشمندريت سلوان أونر

اليونان

عظة الفصح 2006

إخوتي الأعزاء


خلال فترة الفصح المباركة نعايد بعضنا بالعبارة الفصحية “المسيح قام، حقاً قام”

تعبّر هذه العبارة عن إيماننا فنقول من خلالها بأننا


نؤمن ونعترف بأننا مشتركون بإيمان الرسل والشهداء والمعترفين وكل المؤمنين بالمسيح القائم

نؤمن ونعترف بأن الرب المحب البشر “أُسلم (إلى الموت) من أجل خطايانا وأقيم لتبريرنا” (رومية 25:4

نؤمن ونعترف بأن الرب القائم هو المخلص الوحيد للبشر، لأنه الوحيد الذي استطاع أن يغلب الموت وصار “بكر من الأموات” (كولوسي 18:1) و “باكورة الراقدين” (1كورنثوس 20:15

نؤمن ونعترف بأن الرب القائم جاء إلينا اليوم، برحمته العظيمة، لكي يُـدخل نعمته، ومغفرته، ومحبته، ونوره، وسلامه، وعدم فساده، وأبديته، وحياته الجديدة، وتعزيته، وقداسته، إلى داخل ضعفنا، وظلامنا، وحزننا، ويأسنا، وعجزنا، وفقرنا، وموتنا، وفسادنا، ومرضنا، وخطايانا، فيحوّل الموت الذي فينا إلى حياة

نؤمن ونعترف أنه لم يأت إلى الموت لاستحقاقنا، ولكن لأنه رؤوف ومحب للبشر

نؤمن ونعترف بأن حياتنا بدون الرب القائم هي جحيم، وعالمنا بدون حضوره مقبرة كبيرة

اذ قد رأينا قيامة المسيح فلنسجد للرب القدوس يسوع البريء من الخطأ وحده


ولكن سؤال دائم ومحيّر لكثيرين: كيف نرى اليوم القيامة التي حدثت منذ قرنيين؟


نرى قيامة الرب المقدسة، عندما نفهم محبته المجانية للبشر، حيث صلب الإنسان القديم بكل أهوائه وخطاياه، وبقيامته أعاده للفردوس حرّاً

نرى الرب القائم، عندما نعيش داخل كنيسته الأرثوذكسية المقدسة مع والدته مريم العذراء وجميع القديسين، مُدركين أنه بالحقيقة قدم ذاته بالكلية لكنيسته المقدسة، لكي تتقدس وتتطهر

نرى الرب القائم، في أولئك الذين جاهدوا بحياتهم ليكونوا أبناء الدهر الآتي بلا هوى، متحدين مع السيد القائم، أبناء القيامة المستنيرين

نرى الرب القائم، عندما نشترك معه بجسده ودمه، في المناولة المقدسة

نرى الرب القائم، عندما نتحاور معه بالصلاة، قارئين كلامه (الكتاب المقدس)، مجاهدين بالمحبة والتواضع، ومطبقيّن وصاياه

نرى الرب القائم، بالصلاة القلبية، عندما يتربع على عرش قلبنا قائلين: “يا رب يسوع المسيح ابن الله ارحمني أنا عبدك الخاطئ

هكذا نرى أن الإيمان يصبح حقيقة مُدركة من قبل الذين يصرخون “المسيح قام، حقاً قام” لأنهم لا يقولونها مرة يوم العيد، وبعدها يغيب المسيح القائم عن حياتهم باقي أيام السنة، وبالتالي باقي العمر


إذا أردت أن تعرف المسيح القائم، اعرف كنيسته


هلموا يا معشر المؤمنين نسجد لقيامة المسيح المقدسة

أيها الإخوة افرحوا…” (2كورنثوس 11:13

افرحوا في الرب كل حين وأقول أيضاً افرحوا” (فليبي 4:4

الإله الإنسان يسوع المسيح قام—ودعا الإنسان ليشاركه القيامة

المسيح قام، حقاً قام


 << 1 2 3 4 ... 41 42 43 44 45 46 47 48 49 >>
العودة لبداية المدونة