- المنارة الأرثوذكسية - https://www.almanarah.net/wp -

صلاة من أجل شباب العالم المتألم

وقفتُ للحظاتٍ طويلةٍ مع نفسي متسائلاً ما هي الطريقةُ المثلى لوداعِ هذه السنة واستقبالِ السنة الجديدة؟ تساءلتُ كثيراً، والأجوبةُ كانت غزيرةً، إلا أنني لم أستطِعْ أن أُبعِدَ عن ذهني ما يحدثُ أو سيحدثُ لشبابِ هذا العالم. فهناك الكثير منهم يعيشونُ بألمٍ كبير. فماذا أستطيعُ أنْ أفعلَ لهم؟ كيف أساعدُهُم؟ تحيّرتُ، وفكرّتُ كثيراً، ورغم شعوري أنني لا أستطيعُ مساعدةَ هؤلاء المتألمين، إلا أنني وجدتُ أنَّ الحلَّ هو بيدِ الله وبيدِهم، ولكن يمكنني أنا أيضاً أن أفعلَ شيئاً – ودوري هامٌ جداً وفعّال- أستطيعُ وبحرارةٍ!!!! أن أصلّيَ لهم

فقرّرتُ أن أودّعَ هذه السنةَ وأنا أصلّي لشبابِ هذا العالمِ الذين يتألمون وأدعوكُم جميعاً أن تصلُّوا لأجلِهم، فكثيرٌ منهم يتعرضّون في حياتِهم لليأسِ والاعتداءِ والاستغلالِ والأمراضِ المستعصيةِ وللذين لم يعرفوا الربَّ بعدُ فاستحوذَ الألمُ على قلبِهِم وحوّلَ حياتَهم إلى جحيمٍ

هناكَ شبابٌ تعلّقوا بالمخدّرات فسيطرتْ على عقولِهم وتصرُّفاتِهم وحولّت حياتَهم إلى ألمٍ لا يتوقّف، إذ يفقدُون بتأثيرِها الشعورَ بالدنيا من حولِهم ويبدُون وكأنّهم موجودون في هذا العالم ولكنّهم لا يعيشون فيه

هناك شبابٌ يعيشون بفراغِ سبّبته مصاعبُ حياتِهم الخاصّة ولم يعرِفوا أنّ المسيحَ هو سَندُ حياتِهم وهو مخلّصُهم وشافيهِم ومالئُ كلّ حياتِهم بكلّ أملٍ ورجاءٍ وفرحٍ وبدونهِ تصبحُ الحياةُ فارغةً من معناها

وآخرون دمّرتِ الحروبُ بيوتَهم أو مدارسَهم أو جامعاتِهم فينظرونَ إلى المستقبلِ ولا يرون فيه أيَّ بصيصِ أملٍ بل يقتصرُ إحساسُهم بالسعادةِ في حياتِهم على أحلامِهم في ساعاتِ النوم فقط وعندما يستيقظون تكونُ الصدمةُ التي لا تُحتَمَل فيفكّرون بالانتحارِ وبعضُهم يُقدِمُ على قَتلِ نفسِه فيخسرون هذه الحياةَ والحياةَ الثانيةَ التي ينتظرُهم فيها المخلِّصُ

وهناك بالإضافةِ إلى ما ذكرناه أشياءُ أخرى كثيرةٌ تجعلُ من حياةِ شبابِنا ألماً مستمراً، وهم خاصةً في نموِّهِم العاطفي يتصرّفون كما يشاءون بدون الإصغاء إلى نُصحِ الكنيسة أو توجيهها، فتنمو عاطِفَتُهم بشكلٍ عشوائي مشوَّشٍ وبالنتيجةِ لا يعودون قادرين أن يأخذوا قراراتِهم عندَ اللزومِ بشكلٍ صحيح

ألا نعرفُ كلُّنا أنَّ لعبةَ الشيطانِ الحاليةِ هي إبعادُ الإنسانِ عنِ الله وتحويلِ قلبِه إلى صخرةٍ قاسيةٍ، إذ يجعلُه يرى محبةَ الآخرين بمقدارِ ما يقدّمونه له، فينسى الإنسانُ أنَّ الحبَّ هو عطاء صرف، ينسى أنّ اللهَ أحبَّنا حتى أنه بذَلَ ابنَه الوحيد من أجلِ خلاصِنا. وبقساوةِ قلوبِ البشرِ يصبحُ العالمُ أكثرَ عنفاً، ويسهِّلُ التدميرَ والقتلَ. فلهولاءِ الذينَ لم يتعلَّموا مِنَ السيّدِ أنّ المحبةَ هي بمقدارِ ما تُعطي وتضحِّي، وللذينَ قسَتْ قلوبُهم بسببِ العنفِ والغرورِ نقولُ إنّ محبةَ الإنسانِ الحقّةِ تتبلورُ في تقديمِه محبّتِهِ مجاناً للآخرين وهذا ما نريدُه بكلّ تأكيد لنا جميعاً ولكل شباب العالم

ولكن من أين يتأتّى الألمُ في الدنيا؟  نعتقدُ أنَّ مصادرَ الألمِ كثيرةَ ولكنْ يمكنُنا تصنيفُها إلى مصدرَين: الأولُ خارجيّ والثاني داخليّ. أمَّا الخارجيّ فيأتي من الشيطانِ والعالمِ من حولنا والداخليّ يأتي من خطايانا وضعفاتِنا.  فإنْ كان من الآخرين فاحرَصْ أن لا تكونَ أنت المسبّبُ لألمِ الآخر، وإن كان من الخطيئة فاحرَصْ أن تُعينَ نفسَك بالصلاةِ و الصومِ والمحبةِ و الاعتراف …. المهمُّ أن لا تكونَ أنتَ مصدرَ الألمِ في حياةِ الآخرين. ولكنَّ الألمَ في حياةِ الإنسانِ أمرٌ نسبيّ ومتبدّلٌ وهو أحدُ أوجُهِ الحياةِ بعدَ السقوط، ولكي تكتملَ رؤيتُنا الصحيحةُ للحياةِ والألمِ الذي يقاسيه الشبابُ في العالمِ ينبغي أن نتطلعَ إلى الوجهِ الآخرِ للأمور، أي إلى حضورِ الله في حياتِنا نحنُ البشر ووقوفِه الدائمِ إلى جانب خليقتِه. وليسَ أدلّ على تحرُّكِ اللهِ وانعطافِه للألمِ البشريّ من صورةِ يسوعَ المسيحِ في الكتابِ المقدس وحياةِ الكنيسة، إنه البلسمُ الشافي دوماً لكل آلامِ البشرِ وحاضرٌ دوماً ليجعلَ من آلامنا أمراً مقبولاً محتَمَلاً ويحوّلها إلى بركة في حياتنا من أجله حين نحتمِلُها بصبر. وبالنتيجةِ، للهِ دورٌ حاسمٌ في هذا الخصوص، ولنا نحنُ البشر دورٌ أساسيٌ بالصلاةِ والصومِ والصبر، فلنفعل ما نستطيعُ ولنترُك باقيَ الأمورِ لحكمةِ اللهِ ومحبتهِ اللتين لا تُحدَّان ولا تُوصَفان وانطلاقاً من محبةِ اللهِ لخليقتِه جميعاً ولكلِّ المتألمين في هذه الدنيا، ومن ضِمنِهم شبابُ العالم، نرفعُ جميعاً قلوبَنا إلى الله في نهايةِ العامِ المنصرمِ ونتطلعُ إلى تحنُّنِه وإشفاقِه عليهم وعلينا جميعا في العامِ الجديد ونبتهل قائلين
أيها الربُّ المتحنّنُ، نعرفُ أنكَ سريعُ الاستجابةِ لكلّ طالبيك. لقد علّمَنَا تلميذُك الحبيبُ يوحنا، إننا مهما طلبنا من الآبِ باسمِك وحَسْبَ مشيئتِك… فإنّه يسمعُ لنا على الفور يا لك من أبٍ رحيمٍ، لا تشاء أن يُذَلَّ أولادُك بتركِهم يتوسلون إليك دونَ أن تستجيب… علَّمتَنا هذا يا ربُّ في مثَلِ قاضي الظلم، بل وقد أوصيتَنا صراحةً أن لا نكرِّرَ الكلامَ باطلاً في صلواتِنا فنطلبُ إليكَ في هذا اليوم
” من أجلِ كلِّ شابٍّ قد تعلّقَ جسدياً أو روحياً بالمخدرات فآلمَته وأبعدَتهُ عن الخيرِ والمحبةِ

من أجل شفائه وخلاصه منها من أجلِ كلِّ شابٍّ مريضٍ فقَدَ الرجاءَ في هذه الدنيا فلَمْ تعُدِ الحياةُ بالنسبةِ له ذاتَ معنىً. فاشفِهِ يا ربُّ وعرّفهُ أنكَ قادرٌ على كلِّ شيء

من أجل كلِّ شابٍّ متألمٍ يشعرُ بفراغٍ في حياتِه، في فكرِه، في روحِه، في شخصيتِه وفي عاطفته، فلا يجدُ معنىً أو هدفاً لكلِّ أمرٍ يفعلُه فاملأ يا ربُّ قلبَه من روحِك القدُّوس، أنتَ المالئُ الكلَّ من أجلِ كلِّ شابٍّ دخلتِ القسوةُ إلى قلبِه فباتت كلماتُه، أفعالُه ونظراتُه فارغةً من الرحمةِ والحنانِ والعطف فأعطِه يا ربُّ أن يعرفَ التوبةَ كالقديسِ موسى الأسود

من أجل كلِّ شابٍّ دخلَ العنفُ إلى تصرفاتِه أو تعرّضَ للعُنفِ فتألَّمَ منه بسببِ طباعٍ صعبة أو إرهاقٍ أو مرضٍ عصبيّ أو غرورٍ فأعطِهِ يا ربُّ أن يعرفَ الحقَّ بك

من أجل أن تتعطّفَ وتتغاضى عن هفواتِ وخطايا شبابِ هذا العالمِ التي اجترموها في هذهِ السنةِ وتنظرَ إليهِم بعينِ الرأفةِ وترحمََهم من أجل أن توطّدَ أيها الربُّ إلهُنا روحَ السلامِ في العالم أجمعَ، وتثبّتَ شبابَ كنيستِك المقدّسةِ في الإيمان مبعداً عنهم كلَّ خللٍ و مرضٍ و جوعٍ و فقرٍ و فراغٍ، حافظاً إياهم من الأعداءِ المنظورين وغيرِ المنظورين.
آمين وكل عام وأنتم بخير

الأرشمندريت سلوان أونر

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger... [1]
4 Comments (Open | Close)

4 Comments To "صلاة من أجل شباب العالم المتألم"

#1 Comment By زياد خوري On 21/03/2010 @ 12:07 م

الله معك ابونا سلوان
لماذا انت يانفسي حزينة لما تشعرين بالتعب والالم لما تشعرين بالصدمات العاطفية والارضية ؟
كيف لااشعر بالالم والعالم حولي تائه, اصرخ اين الحب بصمت يخنقه صمت مرير ولكن لااحد يجيب
فحولي رعد ومطر غزير , تلونت بالاسى والحزن فالغراغ حولي كثير وفرص العمل قلت وقد تهت مع هذا العالم المريض واريد الخروج ولكن لااستطيع
لماذا انت وحيدة يانفسي وتعيسة؟
كيف لا والعالم اصبح منغلقا على ذاته لاحد يسمعني ويعتبرون مشاعري تفاهة اريد الزواج لكن اصبح الطرف الاخر ماديا كثيرا ويريد ان يرى كل شىء على المفتاح اريد السعادة فوجدتها الان بطرق غير سليمة بالافلام الاباحية والمخدرات والسهرلكنها زادت وحدتي ويأسي
توكلي يانفسي على الله فانه الوحيد القادر على اخراجك من هذا الواقع اليس كذ لك؟
ساعدني يارب فاني حزين وفقير انا ساعدني وساعد الشباب من حولي فقد تعبنا وتهنا فاننا نرمس الشباك كل يوم فلم نصطد شيئا” ولكن انت قلت كل شىء مستطاع عندي ولا يعجزني شىء
( تعا لو ا الي ايها المتعبين والاثقال فانا اريحكم )
امين

#2 Comment By الأب سلوان On 22/03/2010 @ 8:35 ص

الله معك زياد
شكرا على هذه المشاركة الجميلة جداً
صلواتك

#3 Comment By mary jabbour On 01/05/2011 @ 12:40 م

Thankyou fth. for this wonderfull prayer
may the Lord Bless you and keep you and may his face to shine upon you and be gracious unto you and may He grant you peace untill you come to stand infront of Jesus

#4 Comment By carol On 30/12/2015 @ 11:26 م

من أروع واجمل ما قرأت….
صحيح أنها كتبت من العام 2006 ولكن كلماتها مازالت حية…..
ابونا……
اشتقنا لكلماتك الحية التي تحيينا
نأمل عودة سريعة المنارة تبلسم حياتنا بكلمات
عام مبارك مملوء ب البركات والنعم
اذكرنا بصلواتك