- المنارة الأرثوذكسية - https://www.almanarah.net/wp -

أحد الدينونة 2011

الإخوة والمحبة

“بما أنكم فعلتم ذلك بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموه”

lastjudgment [1]

يتميز إنجيل اليوم بأنه يعطينا صورة عن الدينونة، ورغم ذلك فهو لا يحدثنا بشكل أساسي عن الموت بل عن الخلاص والتبرير أي عن الحياة.

لم يسأل الله الخطاة أو الأبرار عن صلواتهم وعباداتهم، إنما يسأل أولاً عن مقياس إنسانية المؤمن “لأني جعت فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني، كنت غريبا فآويتموني، عريانا فكسيتموني، مريضا فزرتموني، محبوسا فأتيتم إليّ” (متى 35:25-36).

القراءة المتأنية للمقطع الإنجيلي توضح أن الدينونة ستكون أساساً على حياتنا وطريقة عيشنا مع الآخر، لا ترى الكنيسة هذه الحياة، مع الآخر، خارج العلاقة الأخوية التي يربطها ويشددها المسيح لتكون حياة مسيحية، مبنية على الإتحاد بالمسيح بواسطة نعمة الروح القدس. المؤمن الصالح والكامل في المجتمع هو الذي يتبع عظات وتعاليم أباء الكنيسة بدون تردد أو انقطاع، يقول بولس الرسول: “كونوا متمثلين بي كما أنا أيضا بالمسيح” (1كو11:1)، والقديس يوحنا الذهبي الفم يسأل: “كيف من الممكن أن نكون متمثلين بالمسيح؟” ويجيب: “يكون أن نهتم بكل مَنْ حولنا وأن لا نطلب شيئاً لنفسنا”.

من هو أخي؟

لا يمكن، داخل الكنيسة، تحديد معنىً للأخ ضمن أطر محددة وثابتة فالأمر واسع جداً. الأخ هو كل إنسان، ويمكن القول أنه كل أخ يجمعنا به المسيح ونراه فيه، وبالتالي عندما نحبه نحب المسيح، لأن كل إنسان هو على صورة الله. مفهوم الأخ داخل الكنيسة يعطينا إمكانية الخروج من ذاتنا والانفتاح أكثر نحو الآخر، ويعطينا أن نعمل بمحبة متجاوزين الخوف من الجحيم لنعبر إلى مكان الشركة الفردوسية. المسيحي لا يرى في وجه الأخر الشر الذي يحول الحياة والعالم إلى موت، لكنه يرى حتى في وجه “الإخوة الصغار” الحياة الحقيقة، المسيح والقيامة.

لذلك عندما يتكلم القديس يوحنا الذهبي الفم عن الأخ فهو يتحدث عن “سر الأخ”، أما القديس افرام السرياني فيقول، في مقالته عن المحبة، عن الذي يبتعد عن المحبة أنه: “معطوب العقل، صديق للشيطان”. إذاً الحياة بدون محبة و بدون شركة مع الآخر تفسد الإنسان وتجعله غريباً مقطوعاً عن الجسد الواحد، وحالة القداسة الحقيقية للإنسان هي عمل شركوي أخوي.

المحبة

داخل المحبة المسيحية يختفي معنى الأخ، فيجب أن لا نحب كواجب. المحبة هي ما تتنفسه المسيحية وهي الشكل الطبيعي لوجودها، المحبة تعطي إمكانية معرفة المسيح الحقيقية، هي القوة التي تقرّب الإنسان المحب لله. المحبة هي كمال كل الناموس. المحبة تأتي من الله “لأن الله محبة” (1يو8:4)، والله لا يمكن تحديده ضمن إطار وحدود لذلك محبته أيضاً لا يمكن أن تحد بشيء.

المحبة اليوم

الغربة عن الآخر، التي أصبحت مسيطرة على جوانب حياتنا الاجتماعية، هي صفة العالم الآتي، وتكشف هوية إنسان الغد الذي يريد أن يعيش حياته بدون الله، بدون حب وبدون إرادة للعيش ضمن جماعة شركوية.

المخرج الوحيد هو الحياة والعمل الكنسي، أي الحياة بالمسيح من خلال أسرار الكنيسة، لأن حياتنا في الكنسية الأرثوذكسية هي امتداد لحياتنا الليتورجية فيها، وإذا كانت غير مرتبطة مباشرة بالليتورجيا وليست تمجيد وشكر لله لا يمكن تسميتها أرثوذكسية، بل تكون عبارة عن مظاهر خارجية وواجبات اجتماعية لا معنى لها، وتصبح “لمحاكمة ولدينونة لا للخلاص”.

يعيش المسيحي وسط عالم كلّه حزن وألم، يسيطر عليه الشيطان، كل ذلك يشكل عائق لعيش المحبة بشكلها الصحيح، بالتالي مغبوط الإنسان المجاهد في المحبة.

الإنسان الذي يساعد نفس ما أن تخرج من ظلامها وحزنها وألمها يمتلئ من الفرح الحقيقي، ومن جهة أخرى الإنسان الذي يرى أخيه في حاجة وفي أزمة ما ولا يساعده، إن كان باستطاعته!، فهو يرتكب خطيئة وذنب كبير، بالتالي عدم محبة أخينا الإنسان سيبقيننا خارج الملكوت.

لذلك لنوجّه أنفسنا نحو محبة الله ولنصلي للروح القدس أن يعلّمنا معنى المحبة الحقيقية.

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger... [2]
8 Comments (Open | Close)

8 Comments To "أحد الدينونة 2011"

#1 Comment By elias zakkour On 24/02/2011 @ 9:01 م

ابونا المحبه التي بداخلنا تقتلها الغربه التي تحدثت عنها وايضا اللهموم اليوميه وأعمال الشيطان بداخل كل واحد منا .. كيف سأحب إذا الاخر لم يبادلني هذا الشعور النبيل.. كيف سأحب إذا كانت الدنيا مليئه بالشر؟ نبذل جهدنا ونكافح لنبقى محبين , ولكن ماذا نجني ؟ حسد, طول لسان, عدم احترام أحيانا, لا أشمل الجميع ولكن أحيانا ناس مقربين جدا وتحبهموتهتم لوجودهم في حياتك.. لاتعرف لماذا بادلوك المحبه بكراهيه أو عدم إهتمام ..
كلامك رائع وواقعي هذا ما يحدث تماما, الجهاد للحصول على المحبه فالرب يبغض القلب المضمر الشر
وعندما تحب تنبع من قلبك الهدايا.. وشكرا لجهدك ومواظبتك على الكتابه لنا فأنت النور الذي ينير دربنا

#2 Comment By fouad On 24/02/2011 @ 11:35 م

المحبة ليست كلمات تقال وانما حياة تعاش لايفهم معناها الا الذي يحياها.علمني والدي ان احب من دون ان انتظر مقابل..هذامااسعى لتحقيقه.لكن الضعفات البشرية والعالم الذي حولنايمنعنا غالبامن هذا..
الغربة عن الاخر تعبير رائع…فسكان البيت الواحدباتوا غرباء عن بعضهم.فكم بالاحرى العالم اجمع..مقالة جميلة …شكرا لك واطال الله عمرك ونطلب المزيد وخاصة للايام المقبلةلتكون مباركة ومقدسة بكلماتكم ومقالاتكم….صلواتكم

#3 Comment By ميشيل On 26/02/2011 @ 2:37 م

أبونا كلام جميل ولكن الأجمل هو تطبيق هذا الكلام في حياتنا (أحبب فيغدو الكوخ قصرا نيرا أبغض فيغدو القصر سجنا مظلما).صلواتك

#4 Comment By elhamnaddour On 27/02/2011 @ 8:27 ص

حضرة الاب سلوان
شكرا لك لما تبذله لايصال الكلمة لنا

#5 Comment By الأب سلوان On 01/03/2011 @ 10:10 ص

الله معكم
شكراً إلهام على تشجيعك وأرجوا صلواتك حتى نستطيع الإستمرار.
فؤاد ميشيل الياس
شكراً، طبعا المحبة هي أساس للفرح في حياتنا وهي الإوكسجين للحياة المسيحية الحق.

صلواتكم

#6 Comment By لينا On 02/03/2011 @ 1:42 ص

الرب معك ابونا ونشكرك على كل المواضيع يلي بتمس كل واحد منا
المحبة كتير مهمة بحياتنا كمسيحيين بس لابد من انو نبلشا بحبنا لذاتنا ما بقصد حب حالي اكتر من غيري اكيد لا بس الفكرة انو الواحد منا لازم يبدا يخلص نفسو من الاوساخ الموجودة بداخلو لازم يحب يشوف حالو نظيف وقت بيقبل يغتسل بدم المسيح يلي رح يجعلنا ابيض من الثلج بالتوبة رح تنبت المحبة بنفسو و وقتها بيصير قادر انو يفعل المحبة مع الاخرين لان فاقد الشيء لا يعطيه اذا فقدت سلامي لا استطيع ان اعطيه للآخرين
واكيد المحبة هي عطاء دون مقابل هي تواضع هي نشر السلام للآخر ………..
“المحبة لا تسقط ”
صلواتك ابونا والرب يقويك ويحفظك

#7 Comment By الأب سلوان On 02/03/2011 @ 9:54 ص

الله معك لينا
لا أوفقك على عبارة نحب ذاتنا فهي خطيرة توقع الإنسان في خطيئة الكبرياء وأمور أخرى، يجب أن نسعى لخلاص نفسنا هذا أمر ضروري ليس محبة بذاتنا بل محبة بالمسيح الذي سنحيا معه أبداً
مارأيك؟؟

#8 Comment By لينا On 03/03/2011 @ 9:56 ص

الرب معك ابونا
اكيد انا معك عبارتي كانت خاطئة اذا فهمت ان احب نفسي لانه ليس الفكرة التكبر ابدا
وانما ان اجعل قلبي نظيفا مستحق ان يكون مسكنا للرب الذي نلته بالمعمودية والذي يحيا بداخلنا
وشكرا ابونا و الرب يحفظك