- المنارة الأرثوذكسية - https://www.almanarah.net/wp -

عظة عيد الميلاد 2006

ولِدَ المسيحُ على الأرض منذ ألفي عام، فمبدع الخليقة وخالق الكون، قدم لنا هدية لا تثمّن بأن تجسّدَ هو ابن الآب الوحيد على الأرض. لم يقدّم لنا الآبُ ممثلاً أو مندوباً عنه، بل ابنَه الوحيد الجالس معه على العرش الإلهي إذ يقول أشعياء النبي: “لا شفيعٌ ولا ملاكٌ بل السيّدُ بذاته خلصهم، لأنه أحبهم” (أشعياء 63)

هدية فريدة قدّمتَ لنا، أما نحن فماذا قدّمنا أو نقدّم؟

لقد أسأنا ونسيء إليه بخطايانا المستمرة، تغربنا ونتغربُ عن الهدف الذي خلَقَنا من أجله، وأيضاً خالفنا ونخالف وصاياه المقدسة الخلاصية. أليس هذا ما نفعله؟ ولكنه ليس بالموقف الصحيح.س

بولسُ الرسولُ يوضِحُ موضوعَ محبةِ الله للبشر في رسالته إلى أهل رومية قائلاً: “ولكنَّ اللهَ بيّن محبَّتَه لنا لأنه ونحن بعدُ خطأةٌ مات المسيحُ من أجلنا” (رو8:5)

هو من أجلنا -نحن الخطاة- أحدَرَ العلوياتِ نحو الأسفل كي يرفع السفلياتِ للعُلى.س

أخذَ الطبيعةَ البشريةَ لكي يهبَنا ما لا نملُكُه والذي من أجله خلقنا – التألُّه

كلماتُ القديس أثناسيوس الكبير، تلخّص كلَّ بشارةِ الإنجيل ووعظِ الكنيسة: “هو تجسَّدَ لكي نتألّه نحن” هذا هو السّرُّ العظيم: “الله ظهرَ في الجسد” (1تيمو16:3)

الآبُ السماوي قدّم لنا محبَّتَه. ولكن كيف تكون ردّةُ فِعلنا؟ ما هي هديّتنا له مقابلَ محبّته هذه؟

منذ ولادة المسيح في ذلك اليوم المبارك وحتى يومنا هذا، ينزل من سماه باحثاً عن مكان في قلوب البشر ليولَدَ فيها ويقدّسَها مساعداً إياها لتحقق الغاية الأساسية لخلقها- التأله. ولكن، يا ترى، هل سيجدُ مكاناً له؟؟ هل يوجد من هو مستعدٌ لاستقباله؟

في هذا العالم سيجد قلوباً متنوعةً ومختلفة فأيّها يختار؟؟

سيجد منها الباردةَ كالجليد، لا دفئ فيها، لأنها لا تعرف الصلاةَ أو قد تعرفها ببرودة قارصة، فهي مجرَّد كلمات تتردّد في الهواء ولا تفعل في مصلّيها شيئاً بل حتى ذكر اسم الله غير وارد فيها لا على العكس يسودها الكفرُ والتشنيعُ بالآخرين، وبالأخصّ لا تعرف المناولةََ الحقيقة لجسدِ المسيح ودمِه عن استحقاق، جسدِه الذي يشبه الجمرة التي تدفئ حاويها وتقدّسه. (أشعياء 6:6

وفي بحثه هذا سيجد أيضاً قلوباً جافة صحراوية إذ لا تعرف المحبة كأداة حقيقية للعيش مع أعضاء جسد المسيح، أو لا تعرف أنِّ فِعلَ الخير هو الذي يجمّل هذه الدنيا ويجعلها كفردوسٍ أرضي

أو سيجد قلوباً تشبه مدينةَ أشباحٍ فيها شياطين متربّعة في كل زاوية من زواياها، تخيفُ القادمين وتحوِّلُ صاحبَ القلبِ إلى عبدٍ لها ولشهواتِه

أو لعله سيجد مكاناً دافئاً متواضعاً فيدخُلُه ولكنه يجدُ المزودَ محطَّماً بسبب قلّةِ الصبر وعدم وجود الرجاء وبالتالي ليس مهيَّأً لكي يولَدَ فيه

وبالمقابل، أيضاً، سيجدُ قلوباً صامَت وصلَّت، فبالصومِ طردت ِالأرواحَ الشريرة

وسكَنَها روحُ اللهِ وبالصلاة اشتركت بجسد المسيح ودمه مذيبَةًًً كلَّ الجليد الموجود فيها بدفء دمِ المسيح وحرارةِ صلاتِها، وفعلَتِ الخيرَ وأحبّت وأعطَت فنبتَ في قلبها كلُّ شيء جميل، أي الفضائلُ، محوّلة الصحراءَ إلى جنّةٍ خضراءَ فردوسية

فلنهيّئ قلوبَنا للمولودِ الآتي بالصوم والصلاة والمحبة ولنستعدّ لاستقباله محتفلين بعيد ميلاده

لكنّ الغريبَ اليومَ يكمُنُ في طريقة احتفال العالم بعيد ميلاد السيد

الكلُّ يهيّئ بيتَه وينظّفُه ويزيِّنُه ويشتري ثياباً جديدة و يحضّر أطعمة كثيرة ليأكل هو وأصحابه وعائلته. ولكن ماذا سيقدّم لصاحبِ العيد؟؟

نحتفل بصاحب العيد بدون أن نقدم له شيئاً. أليس هذا غريباً؟

وماذا يرى صاحبُ العيد؟

أيرى التواضعَ والإيمانَ والمحبةَ والسلامَ التي وُلِدَ فيها؟

أم يرى مدناًً غرقت في الخطيئة؟؟

أم يرى بيوتاًً بُنِيَت على الإغراء وحبّ الذات؟

أم يرى مجداً وعظمةًً فارغة؟

هو فتح الطريقَ للتأله، ولكنّ المسؤولية على عاتقنا تقع، أنسلك فيه أم لا

على الذي يريد أن يسلك في هذا الطريق أولاً أن يستعدّ لاستقبال السيّدِ في يوم ميلاده

قديماً الطبيعةُ استقبلته بطريقتها

إذِ النجومُ أنارت والحيواناتُ قدَّمت له الدفءَ

الملائكةُ رتلت ممجدةً المولودَ الجديد

البشرُ رعاةً وملوكاً سجدوا له

أمّا نحن فلنهيّئ جميعاً مذودَنا الداخلي ليكون مكاناًً جاهزاً ليولَد فيه المسيح. هذه التهيئة تكون روحية صرفة، لا طعامٌ لا لباسٌ لا فرحٌ نعيشُه إلا ليكون تعبيراً عن فرحنا الداخلي بميلاده فينا وحضوره الدائم معنا

فالمؤمنون المسيحيون الذين يجاهدون الجهادَ الحسن بالتوبة والصلاة وتطبيق وصايا الله يتشبّهون بالمجوس الذين أتوا من الشرق وقدّموا هدايا للسيد ذهباً ولباناً ومراً. ويتشبّهون بالملائكة الذين يمجِّدون الله دوماً، يتشبّهون بالرعاة الذين سجدوا بتواضع

المسيح وُلِدَ فلنمجّده ولنسجُد له بطريقة صحيحة كما فعلَ الملائكةُ والرعاةُ والملوك

وكل عام وأنتم بخير

الأرشمندريت سلوان أونر

اليونان

تسالونيك

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger... [1]