- المنارة الأرثوذكسية - https://www.almanarah.net/wp -

السلام

peace [1]

كلنا يريد السلام الداخلي لكننا لا نعرف كيف يمكننا الحصول عليه، سيطر الغضب مرة على القديس بايسيوس الكبير فصلّى إلى الله طالباً أن يحرره من هذا الهوى فظهر له الرب قائلاً: “إذا كنت ترغب في تجنب الغضب عليك ألا ترغب بشيء ولا تدين أو لا تكره أحد وسوف يكون لك السلام”، هكذا كل إنسان يطابق إرادته مع إرادة الله سيكون لديه سلام داخلي أما الذي يُحب أن يعيش وفق إرادته الشخصية فلن يكون لديه سلام داخلي.

السلام والصلاة

تتحمل النفس، التي تسلّم ذاتها لله، كل حزن ومرض بشكل أخفّ لأنها بوقت المصاعب والحزن تبقى مع الله مصلّية: “يا رب، أنت ترى مرضي وتعرف كم أن خاطئ وضعيف ساعدني أن أتحمّل وأشكر صلاحك على الدوام” عندها سيخفف السيد الألم وستشعر النفس بقرب الله منها فتبقى بجانبه مليئة بالفرح والشكر.

فكّر هكذا إذا كنت تعاني من أي فشل وتتعرض لأي حزن: “الله يعرف ما في القلب وإذا كانت إرادته فسيؤول كل شيء لخيري وخير الذين من حولي” هكذا ستكون نفسك بسلام، لكن إن بدأت بالتذمّر قائلاً: “هذا ليس جيداً، ذاك ليس كما يجب،…”، عندها لن تجد السلام أبداً في قلبك حتى لو صمت وصلّيت كثيراً.

السلام والمحبة

مادام الله محبة فلا داعي لأن نخاف من شيء سوى الخطيئة لأنه بسببها نخسر نعمة الله التي بدونها يجرف الشيطان روحنا بعيداً كما تجرف الريح أوراق الشجر اليابسة أو الدخان.

يقول القديس سلوان: “يا رب أعطي سلامك لشعبك”، “يا رب أعطي عبيدك الروح القدس كي تسكن فيهم محبتك وليقودهم نحو الحقيقة وكل صلاح”.st-silouan [2]

كان القديس سلوان يصلي لكل الناس وباستمرار، هو يريد أن يحمي روحنا ولكننا دوماً نقوم بأعمال لخسارتها وتشويهها لأنه لا يوجد فينا محبة، القديسون الرسل وكل القديسين سعوا لقداسة الشعب وكانوا يصلّون لهم في كل وقت، أعطاهم الروح القدس القدرة على محبة الشعب ونحن إن لم نستطع محبة القريب فلن نملك السلام.

كان القديس بايسيوس يصلّي لتلاميذه الذين نكروا المسيح، وعندما كان يصلّي ظهر له الرب قائلاً: “لمن تطلب يا بايسيوس ألا تعرف أنهم أنكروني” لكن القديس بايسيوس استمر في الصلاة لهم، عندها قال له الرب: “يا بايسيوس أصبحت مشابهاً لي في المحبة”، هكذا يقتنى الإنسان السلام وبغير ذلك لا يمكن.

السلام والأهواء

النفس الخاطئة المكبّلة من الأهواء لا يمكن أن تقتني السلام والفرح بالرب حتى لو كان لديها كل غنى الأرض وتملك على العالم كله، ولنفترض أننا نعرف ملكاً لديه كل شيء ويجلس على عرشه بمجدٍ ولنقل له فجأة أنك خلال لحظات ستموت فلنلاحظ كيف ستضطرب نفسه وسيرتجف من الخوف وسيظهر ضعفه للعلن، وكم هناك فقراء ولكنهم أغنياء بمحبة الله، وحتى لو جئنا وقلنا لهم أنكم بعد قليل تموتون سيجيبون بسلام: “لتكن مشيئة الرب، وليتمجد اسمه لأنه تذكّرني وسيأخذني لملكوته الذي كان أول الداخلين إليه لصاً”، فإن اعتدنا أن نصلّي بحرارة لأعدائنا وأن نحبهم سيبقى السلام في قلبنا دائماً.

السلام ووصايا الله

لا يمكن للنفس أن تملك السلام إن لم تحفظ وصايا الله، لأن ناموس الرب كُتب بنعمة الروح القدس، وعندها تشعر النفس بحلاوة الأمر ولا تعود ترغب بالأرضيات، لأن محبة العالميات تحطم الروح وتشوهها، النفس الجافة تتوقف عن الصلاة، وعندما يرى العدو أن النفس ابتعدت عن الله يبدأ بضربها بأفكار مضطربة ومختلفة حتى ينتهي اليوم دون أن يستطيع الإنسان أن يرى الله بوضوح.

الذي يملك السلام الداخلي الآتي من الروح القدس ينشره لكل من حوله، والذي لديه روح شريرة ينشر الشر لكل من حوله مهما كانت نوعها.

يعاني الإنسان الغضوب العذاب من روح الشر وذلك بسببٍ من كبريائه. الإنسان الذي يصلي للنفوس المريضة التي تخطئ بحقه يغفر له الرب خطاياه بالاعتراف ويعطيه نعمة الصلاة المستمرة، وعمل الصلاة هذا عظيمٌ في عين الرب فإذ رأى الله إنساناً يصلّي لآخر يحاربه ويتهكّم عليه ويذلّه فإنه يعطيه النعمة ليعرف السيد بواسطة الروح القدس، عندها سيمتلئ هذا الإنسان بفرح الرب الذي يمحو كل حزن وسيملأه بمحبة لكل العالم وسيتمنى هذا الإنسان الخير للجميع وسيصلي لهم كما وكأن الصلاة له.

أعطانا الله وصية أن نحب حتى أعدائنا والذي يحب أعدائه سيكون من الذين يصطفّون وراء المسيح، لكن محبة الأعداء لا يمكن بدون نعمة الروح القدس، لذلك حينما يهاجمك أحد صلّي له فتحفظ سلام الله في نفسك.

على طريق السلام

على الإنسان أن يتكلم وهدفه إصلاح الآخر، أن يتكلم وهو متفّهم لضعفه ومتعاطف مع كل نفس بأنها خليقة الله فيتواصل معها وكله ثقة وتفهّم لكل الأهواء عندها سيجد سلام في داخل نفسه وذهنه.

إن عرف الملوك والحكام محبة الله لن يكون هناك حرب بينهم، لأن الحرب تأتي من الخطايا وليس من المحبة، الله خلق العالم من محبته ويطالبنا أن نحيا هذه المحبة.

إن حفظ الحكام وصايا الله وأطاع الشعب هؤلاء الحكام بتواضع سيتواجد سلام فوق الأرض، لكن بسبب حب الرئاسة والزعامة والتكبر يعاني هذا العالم من حروب كثيرة.

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger... [3]
5 Comments (Open | Close)

5 Comments To "السلام"

#1 Comment By rouba abd alnour On 23/09/2011 @ 12:31 م

صباح الخير أبونا :
عندما قرأت مقالتك الرائعة أحسست بمسؤولية تلقى على قلبي . أين أنا من هذا السلام ؟ من هذا الحب ؟ ماذا أفعل ؟
جاءت مقالتك لترد على جميع أسئلتي …..
أعجبت جدا”بالفكرة التي طرحت فيها الحل “الله يعرف ما في القلب وإذا كانت إرادته فسيؤول كل شيء لخيري وخير اللذين من حولي ”
سأحاول أن أسلم ذاتي لله ,لأقتني السلام .صلواتك .

#2 Comment By georgeabdelly On 23/09/2011 @ 2:22 م

سلام المسيح
من انجيل يوحنا (26:14)….متى جاء المعزى الروح القدس الذى سيرلسه الاب باسمى ,فهو يعلمكم كل شىء و يذكركم بكل ما قلته لكم ,سلامى اترك لكم ..سلامىانا اعكيكم ,ليس كما يعطى العالم انا اعطيكم.لا تضطرب قلوبكم و لا تجزع
اقبل الروح داخلك ..امتلآبالروح ..لآن من ثمار الروح …محبة فرح سلام طول اناة لطف صلاح ايمان وداعة نعفف و كل ثمرة منها تقودك الى زميلاتها و يشترك الكل معا …اخى اختى كل منا بيأل نفسه ماذا ينفصه
الانسان هو هيكل لروح الله وروح الله ساكن فيه (1كو16:3)
روح الله ساكن فى الانسان و يعمل
ولكن يلزم استجابة الانسان لعمل الروح فيه
و ذلك بأن بشترك مع روح الله فى العمل
الاخوة الاحباء فى المسيح …المسيح واقف على الباب و يقرع ان فتح احد الباب يدخل و يتعشى معك ……افتح قلبك للمسيح ..اتركه يملك على قلبك (اقبلنى فى ملكوتك).. سوف تشعر بالسلام الداخلى الذى لا يقوقه صف

#3 Comment By georgeabdelly On 23/09/2011 @ 3:51 م

“سلاماً أترك لكم، سلامي أعطيكم” (يو14: 27)

+ هذا وعد آخر، من عند الرب المحب، لكل قلب متعب، وقلق، ومضطرب، وبعيد عن الحياة مع الله.

+ وهو سلام من نوع خاص “سلامي أعطيكم، ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا، لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب” (يو14: 27).

فثق جداً في هذا الوعد الأكيد.

+ فسلام الله يفوق كل عقل، لأنه سلام داخلي، ويجلب الهدوء الدائم، بعد تسليم الأمر كله لله ضابط الكل.

+ وإذا كان السلام الحقيقي نابعاً من عمل الروح القدس في النفس، المرتبطة بكل وسائط الخلاص، فإن البعيد عن الله لا يمكن أن يتمتع به اطلاقاً، مهما اقتنى من كل كنوز الدنيا “فلا سلام للأشرار” (إش48: 22).

+ وقال عنهم إرميا النبي: “يقولون سلام سلام ولا سلام” (إر6: 14)، (خر13: 10)، وهذا هو الحادث في العالم اليوم.

+ وقد نالت العذراء مريم السلام من السماء، لأنها كانت ممتلئة نعمة وحكمة، بشهادة السماء.

+ فقد قال لها الملاك: “سلام لك أيتها الممتلئة نعمة، الرب معك، مباركة أنتِ في النساء ….. لا تخافي يا مريم، لأنكِ وجدتِ نعمة عند الله” (لو1: 28: 30).

+ ونقلت العذراء مريم سلامها إلى إبنة خالتها أليصابات أيضاً، كما أعلنته أليصابات وقالت: “هوذا حين صار صوت سلامكِ في أذني ارتكض الجنين (يوحنا المعمدان) بابتهاج في بطني. فطوبى للتي آمنت أن يتم ما قيل لها من قبل الرب” (لو1: 44-45).

+ فيا اخى و اختى/… إن أردت أن تعيش بسلام قلبي، وسلام حقيقي خالياً من القلق والحيرة والإضطراب، فاقترب فوراً من رب السلام ورئيس السلام، وهو الوحيد الذي يعطيك هذا السلام الكامل، كما أعطى الشهداء، والقديسين، وقت تجاربهم الصعبة.

+ وخذ أمثلة عملية أخرى، من القديس بطرس، الذي نام في السجن بسلام، وبولس وسيلا اللذين كانا يرنمان في السجن، حتى في وقت الزلزلة، وأيوب الصديق في وقت تجربته، وداود في حروبه المستمرة مع شاول، والمرأة الشونمية التي مات إبنها ولم تفقد سلامها وهدوءها، إلى أن استردته من الموت، بصلاة أليشع النبي (2مل4: 26).

#4 Comment By elias zakkour On 27/09/2011 @ 1:30 م

ابي..
المقالة بأكملها غنية بكلمات ومعاني تدخل الى القلب ببساطتها بالرغم من عمقها الروحي..
لفت نظري مقولة ألا وهي :
إذا كنت ترغب في تجنب الغضب عليك ألا ترغب بشيء ولا تدين أحد ولا تكره أحد وسيكون لك السلام.
كيف انا لا أرغب بشيء وكل شيء من حولي يزيدني رغبة بإقتنائه إن ليس لي فلعائلتي ولأولادي
كيف لاأدين أحد وكل من حولي يدينونني
كيف لا أكره أحد في مجتمع كله كراهية وحقد
اعتذر ابونا ولكن هكذا نعيش
وبالرغم من اني اعلم تماما أن من يعيش في عمق البحار لا يشعر بالامواج الموجودة على السطح وهكذا يجب ان نعيش مع الله.. في العمق.
ولكن مع الاسف كل كلمة اسمعها تجرحني وكل ابتسامة تجعلني اقفز من الفرح والسخرية تحطمني….

#5 Comment By بيار On 29/09/2011 @ 9:12 ص

أبتي العزيز،
اخوتي قراء المنارة،

كم أنا بعيد عن ذلك السلام المبتغى. ربما أشعر به لحظة واحدة فقط عندما أقول “يا رب سلمتك نفسي فأنت أدرى بها مني” . . . أشعر انني خفيف لا هم لدي ولا مشكلة تلبسني. يتملكني سلام روحي وامتلك رجاء بمساعدة الله كبير جداً. قلت لحظة واحدة لأن هم الدنيا ومشاكلها يعود و يسود عيناي. ربما لا لكل الوقت لكن للأسف لمعظم الأوقات. أعتقد أن في يومنا هذا لو استطعنا أن نكون مثل”طيور السماء التي لا هم يحزنها لأن رب السماء غنيٌ قديرٌ يجود لها بالغذاء…” (اقتبس عن نشيد – طيور السماء) لكنا عرفنا قليل من السلام الداخلي. أي لو رمينا كل ألهم الموجود في الدنيا وهم الحياة المعاصرة إلى المسيح لكنا عرفنا السلام في قلوبنا. لا أقصد أن فقط هم الدنيا هو الذي يبعد السلام، طبعاً لا، لكن لو عرفنا أن الرب هو الذي يستطيع أن يأخذ هذا ألهم ويريحنا لكن عرفنا معنى المحبة والتضحية وبادرنا بالمثل تجاه الأخر وبذلك نمتلئ ولو قليلاً من السلام المسيح.

صلواتكم،