- المنارة الأرثوذكسية - https://www.almanarah.net/wp -

إحساس الألم

Tears-eyes [1]

رؤية الإنسان للحياة بأنها ذات صورة جميلة، أي أن تكون بلا ألم، هو أمر خاطئ، لأن الحياة فيها من كل شيء: فرح وحزن وألم وحياة وتعب وراحة… وعلينا أن نقبل كل هذه الأمور وإذا لم نتقبلها يعني أننا لا نتقبل الحياة فلا نرفض شيء من الحياة لأننا نكون قد رفضنا الحياة كلها بما وهبنا إياه الله.

وجود الألم يفترض علينا أن نتحسس له وإذا كنا نتحسس فهذا يعني بأننا أحياء ولسنا متبلّدين وموتى في الحياة، هذا الإحساس يجعلنا أن نشعر بوجودنا ليس الجسدي بل الروحي وهو بدوره يعطي طعماً للحياة، يمكن أن تكون طعمها مرّ بسبب الألم ولكن حتما سيكون هناك شعور بالفرح وسيمتزج مع الألم ليشكلان طعم الحياة، إذا مجرد الإحساس يعطينا الشعور بالحياة، مرةً أم حلوة، بالتالي سنكون أحياء في هذه الدنيا لا مجرد كيان يأكل ويشرب ويستلذ جسدياً بملذات الدنيا.

الحب هو كالألم، به يشعر الإنسان أنه كيان حي، بالروح لا بالجسد، وبه تتحرك المشاعر والأحاسيس نحو الاندماج والإتحاد بآخر يملئ فراغ الكيان ويكسر الانعزال الذي تفرضه الكراهية، الحب له بُعد الانصهار والذوبان بالآخر لتكوين كيان واحد يفرح ويحزن ويتألم أي يحيا بحياة لها معنى عميق وكبير، الحب هو شراكة الآخر بالحياة وهذا يفرض وجوده وأخذه جزء من كياننا، بدون هذه الشراكة لا يمكن أن يكون هناك حب، وإلا يصبح أنانية واستغلال.

يقول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: "إلى هذه الساعة نجوع ونعطش ونَعْرَى ونُلطم ولا قرار لنا ونتعب عاملين، نُالمخلّع [2]شتم فنُبارك، نُضطهد فنحتمل يُشنّع علينا فنتضرع" (1كو 11:4-13) هذا التعب والألم من أجل المسيح يجعلنا نشعر أننا نحيا معه وبالتالي أحياء به، أي الإحساس بالخطيئة هو بداية التحسس للبُعد عن الله وبالتالي الشعور بحاجته في حياتنا وهذا الأمر يحتاج إلى حب لله كي يأخذ جزء من كياننا. بالخطيئة يحدث الانسلاخ بين الإنسان والله، الإحساس بهذا الأمر المؤلم هو ما يدفعنا للعودة إلى أحضان الله وبالتالي عودة الحياة لنا، لأننا بقرب الله نشعر بحبه لنا الذي لا يمكن مقارنته بأي حب آخر مهما كان كبير، فحب الله يملئ الكيان لأخره وأكثر.

إذا مجرد الإحساس بألم البعد عن الله، بسبب الخطيئة أو قلة الإيمان، سيعطيننا الحياة لأننا تحسسنا غيابه وبالتالي حتما سنبحث لردم هذا الغياب إذا كان هناك حب له. آلام العالم كثيرة ولكنها لا تقارن بألم البعد عن الله، هل تتحسس له؟ إذا كنت تتحسس فأنت حي بحب الله وعليك أن تجعل هذا الإحساس يقرّبك من الله أكثر ويعيدك إلى أحضانه.

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger... [3]
3 Comments (Open | Close)

3 Comments To "إحساس الألم"

#1 Comment By Aziz On 19/08/2012 @ 12:28 ص

الأحساس هو أجمل نعمة معطاة من الله ….الله يعطينا حتى الأدوات التى تحسسنا بغيابه وعلينا التقييم ….آمين يارب ……أبحث عنا لأنك أنت الراعى الصالح الدى يفتش عن الخطاة

#2 Comment By georgeabdelly On 22/09/2012 @ 8:30 م

“إلى هذه الساعة نجوع ونعطش ونُعرى ونُلكم وليس لنا إقامة” [11].

يستعرض الرسول بولس متاعبه هو والعاملين معه فإنه “إلي هذه الساعة”، أي بعد خدمتهم بينهم وبين كنائس كثيرة لا يزالوا يجوعون ويعطشون ويتعرون ويلكمون كعبيدٍ (1 بط 2: 20)، ليس لهم مكان إقامة يستقرون فيه، ويعملون بأيديهم لأجل احتياجاتهم اليومية بالرغم من التزاماتهم ومسئولياتهم العظيمة التي في أعماقهم نحو العالم. يالها ما صورة مؤلمة لرسل ملك الملوك الذين يحتاجون إلى أكل وشرب وملبس ومكان يستقرون فيه فلا يجدون! لكنهم لم يبلغوا بعد الفقر الذي للسيد المسيح الذي ليس له أن يسند رأسه (لو 9: 58 ؛ مت 8: 20).

تبدو هذه الصورة لخدام المسيح الحقيقيين قاتمة للغاية، فمن أجل الخدمة ليس فقط يتهموا بالجهل والضعف ويصيبهم الهوان [10]، وإنما يعانون من الجوع والعطش والعري واللكم والتشريد. لكن هذه الصورة تصير بهية للغاية إن أدرك الخادم أن ما حلّ به لا يقُارن بما حلّ بسيده، الذي لم يكن له موضع يسند فيه رأسه (لو 9: 58). إنه يشاركه جوعه وعطشه وعريه علي الصليب وآلام الصلب والرفض حتى من خاصته! الحب يحول الآلام والأتعاب إلى شركة مجد مع المصلوب!

بقوله “إلى هذه الساعة” يؤكد الرسول أن الآلام والضيقات ليست عارضة ولا أحداث ماضية لكنها مستمرة خلال الخدمة، هي جزء لا يتجزأ من العمل الرسولي. وهي ليست خاصة بشخصٍ معين، بل بكل الرسل والخدام، إذ يتحدث الرسول بصيغة الجمع.

بكامل حرية إرادتهم يود الرسل أن يشاركوا سيدهم آلامه فيصومون حتى يجوعوا ويعطشوا، أما أنهم يتعروا فتحمل معنى تحركهم المستمر حتى تبلى ثيابهم ولا يجدوا مالًا يشترون به ثيابًا جديدة.

لم يخجل بولس الرسول من الوقوف أمام ملوك وولاة بثياب بالية، لأنها تبلى بسبب خدمة سيده.

لم تمنعه ثيابه البالية من الدخول إلى بيت الرب والوقوف أمام اللَّه للعبادة. إنها في عيني اللَّه مجد وكرامة لبولس!

لا يخجل الرسول من القول بأن “ليس لنا إقامة” يُطردون من موضع إلى آخر ويجولون بلا موضع استقرار. ليس له عائلة مستقرة تعطيه شيئًا من التعزية خلال السلام الأسري.

بينما يظن الكورنثوسيون أنفسهم ملوكًا [8] إذ به يُلكم، أي يُعامل كعبدٍ مرذولٍ (ا بط 2: 20)، فقد لُكم سيده وهو في طريقه إلى الموت كعبدٍ (مت26: 67).

“ونتعب عاملين بأيدينا،

نُشتم فنبارك،

نُضطهد فنحتمل” [12].

يالها من صورة رقيقة عجيبة، فإن الإنسان بطبعه، بعد السقوط، متعجرف يود أن ينتقم لنفسه، فيرد الشتيمة بشتيمة، مدافعًا عن كرامته وعن مصالحه. إنها نعمة اللَّه هي التي تفتح قلب المؤمن كي لا يقاوم المسيئين إليه بل يحبهم، مباركًا لاعنيه، مقدمًا خيرًا لمن يضايقونه.

يعلنون عمليًا عن فكر مخلصهم الذي قابل شر البشرية بالحب وطول الأناة. إنها نعمة اللَّه القادرة وحدها أن تهبهم الشركة في سمات السيد المسيح.

إن حفظنا وصايا المسيح، إن احتملنا مضرات، إن سمحنا بأن نُحرم من المكاسب، إن شُتمنا نبارك، إن اضطهدنا نفعل صلاحًا؛ إن كانت هذه هي الممارسة العامة بيننا فليته لا يكون أحد متوحشًا كمن لم يتغير إلى الصلاح. بإظهار هذا، فإن بولس كان رجلًا واحدًا لكنه كم من الناس جذبهم ليكونوا مثله؟!

يأخذ المسيحيون موقفًا مناقضًا من أجل المغفرة للآخرين ونسيان تعدياتهم. فقد قيل: “نُُشتم فنبارك، نُضطهد فنحتمل”. اسمع إسطفانوس يقول: “يا رب لا تقم لهم هذه الخطية” (أع 6:6).

القديسيوحنا ذهبي الفم

“سمعتم أنه قيل: تحبُّ قريبك وتبغض عَدُوَّك. وأما أنا فأقول لكم أَحِبُّوا أعداءَكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مُبغِضيكم.وصلوا لأجل الذين يسيئُون إليكم ويطردونكم. لكي تكونوا أبناءَ أبيكم الذي في السماوات… فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل”.

ولكن من أين لنا القدرة على احتمال كل تلك الأضرار السابق الإشارة إليها، إلا إذا كنا قد نفذنا أوامر السيد المسيح بمحبتنا لأعدائنا ومضطهدينا؟

فإن كمال الرحمة والمحبة والاحتمال لا يمكن أن يمتد إلى أكثر من الأعداء. لذلك اختتم رب المجد ذلك بقوله: “فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل؟” على أنه ينبغي أن نذكر أن كمال اللَّه يختلف عن كمال نفوسنا كبشر…[286]

القديس أغسطينوس

“يُفترى علينا فنعظ.

صرنا كأقذار العالم،

ووسخ كل شيء إلى الآن” [13].

جاءت الكلمة اليونانية المترجمة ” يُفتري” بمعنى يُجدف علينا. يُفترى علي اللَّه حين يُجدف عليه بإنكار وجوده ومقاومة الإيمان به أو الإساءة إلى سماته وعنايته الإلهية ونعمته ومقاومة تعاليمه ووصاياه؛ حينما يحتقر الشخص هذه الأمور أو ينكرها أو يقاومها. ويُجدف علي الإنسان حين يؤذيه أحد في شخصه أو كرامته أو سلوكه أو ممتلكاته.

لكي نفهم هذه العبارة يليق بنا أن نعرف بعض العادات التي كانت تسود العالم الوثني. عندما كانت تحل كارثة عامة كانت الجماهير تختار بعض الأشخاص المرذولين والبائسين والأدنياء في أعينهم الذين يقوم المجتمع بإعالتهم طول السنة، ويقودونهم بعد وضع أكاليل من الورود علي رؤوسهم ليقدموهم ذبائح كفارية لإرضاء الآلهة. يلقون باللعنات التي للبلد كلها علي رؤوسهم ثم يجلدونهم سبع مرات، ويحرقونهم أحياء، ويأخذون الرماد ليلقونه في البحر بينما تقول الجماهير: “كونوا كفارة عنا”.

هكذا يري الرسول بولس أن رسل السيد المسيح الذين هو كفارة عن العالم كله، يُعاملون كمن حُكم عليهم بأنهم لا يصلحون لشيء سوي أن يكونوا ذبائح كفارية للشياطين وذلك من أجل السلام والصالح العام.

كلمتا “أقذار” و”وسخ” في اليونانية تشيران إلى تقديم ذبيحة خلاصية للتطهير. كما تشيران إلى الزبالة التي تجمع من البيت وتُلقي فيصير البيت نظيفا. في مثل هذه الحالات يُلقي الشخص في البحر مثل الذبيحة. يقول العلامة أوريجينوس أن ربنا في تقديم ذاته كفارة عن خطايانا كان أكثر من تلاميذه الذين هم ذبيحة تطهير للعالم، وذبيحة معينة عن كل البشر.

كأن الرسول يعني أنه هو وزملاءه كانوا يعاملون ككائنات بائسة حُكم عليهم ألا يصلحوا في شيء إلا أن يكونوا ذبائح بشرية لاسترضاء الآلهة من أجل سلام الآخرين وخلاصهم.

بقوله: “أقذار العالم” يعني هنا أنه يُنظر إليهم أنه لا يوجد في العالم من هم أكثر منهم خسة وحقارة ليتخلص منهم.

بعد أن أبرز ما يلحق بهم هو وزملاءه من إهانات حتى حُسبوا كأقذار العالم ووسخ كل شيء يجب الخلاص منهم لأجل تطهير العالم منهم، يتحدث معهم بلغة الحب واللطف. إنه أب وليس رئيسًا، إذ ينذر إنما في حب أبوي وحنو. أبوته تلزمه أن ينذرهم ليخجلهم ويصلح من شأنهم.

“ليس لكي أخجلكم أكتب بهذا

#3 Comment By اماني On 13/10/2012 @ 2:40 ص

رائعه ……وبعد إذنك أبونا أخذتها علي صفحتي لمشاركه الناس ووضعت اسمك عليها واسم المدونه….