- المنارة الأرثوذكسية - https://www.almanarah.net/wp -

الصليب خلاصنا

الصليب [1]

يتموضع أحد الصليب وسط الصوم الأربعيني، من الطبيعي لبعض المؤمنين الذين يجاهدون جهاداً روحياً أن يتعبوا وسط الصوم، دوماً الجهاد الروحي يُتعب ولكنه يعتبر مقدس لأنه يقود للكمال. الكنيسة، أمّنا الحنون، تضع أمامنا الصليب الكريم كي نسجد له ونتشجع ونتابع جهاداتنا وصولاً للقيامة.

"من أراد أن يتبعني…"

فعل "يريد" يعود لله وللإنسان، لله يوضحها بولس الرسول بالتعبير أنه يريد الخلاص الكل "الذي يريد ان جميع الناس يخلصون" (اتيمو4:2)، للإنسان يقول السيد في المقطع الإنجيلي "من أراد أن يتبعني…" ليقول أن الأمر أيضاً متعلق بجهد وتعب الإنسان. إرادة الله هي القصد الإلهي للبشرية أن يخلصوا كلهم وأن يحققوا إرادته كما تفعل القوات الملائكية "ليأت ملكوتك لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الارض" (متى10:6)، للبشر كلهم قال "من أراد" أن يخلص، هي موجهة لكل البشرية بالعموم ولكنها تتوجه أيضاً لكل مؤمن لوحده وشخصياً.

"من أراد…" تشمل هذه العبارة كل عظة الصليب وكل معنى المقطع الإنجيلي اليوم، أعطى المسيح بصلبه وقيامته الخلاص للإنسان، ولكن الإنسان لن يخلص ما لم يرفع بذاته صليبه، وما لم يعيش آلام المسيح، ما لم يصلب ذاته محبة بالمسيح، هذه الحقيقة هي الطريق الوحيد التي تودي الى الحقيقة المفرحة عبر الحزن إلى القيامة "بالصليب" وفي هذه الحياة عبر طريق الموت ومن خلال الموت المحيي.

دعوة السيد المسيح هي للجميع لأن ارادته أن يخلص كل الذين يؤمنون بالأبن وسيحصلون على حياة ابدية وسيقومون معه "هذه مشيئة الآب الذي ارسلني ان كل ما اعطاني لا أتلف منه شيئا بل اقيمه في اليوم الاخير لان هذه هي مشيئة الذي ارسلني ان كل من يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة ابدية وانا اقيمه في اليوم الاخير" (يو39:6-40)، ولكن بالمقابل نداء الله "من أراد…" ودعوته هذه يجاوب عليه كل واحد بطريقته، واتباع المسيح هي دعوة من الله ولكن تنتظر جواب من الإنسان المستند على حريته.

"فلينكر بنفسه ويحمل صليبه"

ماذا ينفع الإنسان أن يعرف ما يريده الله إن لم يسعى لتطبيقه؟ المسيح يطلب حمل الصليب وإنكار الذات وأمور صعبة، الله يعرف الإنسان بشكل جيد، وحتى يستطيع الإنسان تحقيق الخلاص عليه أن يطبق هذه الشروط، الإنسان جسد وروح لذلك حريته الأخلاقية ليست مطلقة لكنه مرتبط بطبيعته، هو مركب من روح ومادة وبعد السقوط أصبح هناك صراع بين الإثنين "لان الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد. وهذان يقاوم احدهما الآخر حتى تفعلون ما لا تريدون" (غلا17:5).

الإنسان مدعو أن يكون إما مع المسيح أو بعيداً عنه، ولكن لا يوجد في هذا العالم شيء أفضل من الروح، والمؤمن عليه الإختيار بين الجسم والروح، والجسم بحسب مفهوم الكتاب المقدس ليست الجسد بل عالم الخطيئة، في هذا الإختيار تأتي عبارة "فلينكر بنفسه" ، "لان الله لم يدعنا للنجاسة بل في القداسة" (1تس7:4)، وأن لا تكون حياتنا ملئ بالأهواء "لكي لا يعيش ايضا الزمان الباقي في الجسد لشهوات الناس بل لارادة الله" (1بط2:4)، ولكن لتكون بشكر مستمر "اشكروا في كل شيء. لان هذه هي مشيئة الله في المسيح يسوع من جهتكم" (1تس18:5)، وصبر لا ينقطع "ولكم ضمير صالح لكي يكون الذين يشتمون سيرتكم الصالحة في المسيح يخزون في ما يفترون عليكم كفاعلي شر" (1بط16:3) وبدون حدود لفعل الخير "هكذا هي مشيئة الله ان تفعلوا الخير" (1بط15:2) كلها محبة بالله.

الصليب المطلوب منا حمله ليس فقط أن نتحمل مصيبة ما أو أن نتواضع أو أن نرفض بعضاً مما في حياتنا، لكنه الحد الفاصل الموجود داخل قلبنا بين عالمين الروح والجسم. عندما يقرر المؤمن أن يتبع طريق الرب الروحي فهو لا يصلب ذاته فقط بل يرفع صليب التضحية لخلاص العالم ويصبح معاون للمسيح في رفع الصليب "فاننا نحن عاملان مع الله وانتم فلاحة الله" (1كو9:3).

"ويتبعني"

أن أتبع المسيح هذا يعني أنني أؤمن به بإيمان يغلب كل التجارب والمصاعب، يعني أنني أتبع نور العالم الذي ينير لي الطريق كي أتبعه ولا أقع في دروب الخطيئة، أن أتبع المسيح هذا يعني أنني أضع أمامي صفات الإله المجسد والمخلص المصلوب لأن هذا يدفعني أن أتوب عندما أخطئ، لأنه مخيف أن يعيش الإنسان بعداوة مع صليب المسيح "لان كثيرين يسيرون ممن كنت اذكرهم لكم مرارا والآن اذكرهم ايضا باكيا وهم اعداء صليب المسيح" (فل18:3) يكره ويدين نفسه عندما يكون واقع في الموت الروحي الأبدي.

لا أتبع يسوع المسيح عندما أتخلى عن إيماني وعندما لا أتوب عن خطاياي ولا أمارس سر الإعتراف المقدس لأن بهذه كلها أعود لأصلب المسيح من جديد "وسقطوا لا يمكن تجديدهم ايضا للتوبة اذ هم يصلبون لانفسهم ابن الله ثانية ويشهّرونه" (عبر6:6). لذلك على المسيحين وهم يسجدون اليوم للصليب المقدس أن يرفعوا أعينهم الروحية نحو المسيح القائم وأن تتوجه نحوه حياتنا كلها.

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger... [2]