- المنارة الأرثوذكسية - https://www.almanarah.net/wp -

عظة الفصح 2007

حاجاتُ الإنسانِ الروحيةُ كثيرةٌ و مختلفةٌ، كأنْ يُحِبَّ ويُحَبَّ محبةً لا أنانيةَ فيها، أن يغلبَ الموتَ ويصبحَ خالداً، أن تُغفَرَ خطاياهُ التي بإرادتِهِ والتي بغير إرادته المسببةُ له الحزنَ وعدمَ راحةِ الضميرِ والمفسدةُ حياتَه. لكنه بالنهاية يميل لتجاوزِ المادية ولتحقيق المطلقِ والأبدية

الذي يؤمّنُ هذه الحاجات هو السيدُ المسيحُ المتجسدُ القائمُ – الذي صلبَ الموت. إذْ يوضحُ بصلبِهِ الطوعيِّ قبولَه الإنسانَ الخاطئَ، إذ قدّمَ نفسَهُ ضحيةً ليس من أجل أصدقائه الأبرارِ بل من أجل أعدائه الذين صلبوه. كما يقولُ بولسُ الرسول: “ولكنَّ الله بيّنَ محبتَه لنا لأنّه ونحن بعد خطأةٌ مات المسيحُ لأجلنا” (رو8:5)

يعيشُ الإنسانُ بالوحدةِ عندما يهجرُه الآخرون ويزدرون بشخصيتِه ويسخرون من خطاياه وضعفاته، ولكنْ داخلَ كلِّ ذلك يستطيعُ كلُّ متّكلٍ على اللهِ أنْ يشعرَ بأنَّ اللهَ يحبُّهُ ويقبلُهُ ويقدِّمُ له ذاتَه بالكلية، فتنقلبُ حياتَه ولا يبقى وحيداً بل يكونُ الله معه

صليبُ المسيحِ مثالٌ رائعٌ على محبتِه الكاملةِ المجانيةِ التي هي بدون شرطٍ وأيِّ مقابل. يستطيعُ الإنسانُ من خلالِ هذه المحبةِ أنْ يتشجّعَ لتجاوزِ الخوفِ و عدمِ الثقةِ بالذات والشعورِ بالدونيةِ وبالعُجبِ والأنانية ومن ثمّ يفرحُ بمحبةِ الله للإنسان. ويتمُّ ذلك بأنْ يُشركَ محبتَه مع محبةِ المسيحِ وبهذه المحبةِ يبني علاقتَه مع إخوتِه البشرِ، وبهذه المحبةِ أيضاً يسامحُ إخوتَه البشرَ فيقبلُهم بجانبِهِ ويتقبّلُهم

***

يجيبُ السيدُ بقيامتِهِ من بين الأمواتِ على رغبةِ الإنسانِ لتحقيقِ الأبدية. إذ بموتِهِ غلبَ موتَنا ومنحَنا القيامةَ والحياةَ الأبديةَ. ونحن نعلنُ الحدثَ الأكبرَ في التاريخِ بالترتيلةِ المختصرةِ  “المسيحُ قامَ من بين الأمواتِ ووطئَ الموتَ بالموتِ ووهبَ الحياةَ للذين في القبور” أي الانتصارَ الكبيرَ للبشريةِ ضد الموت. فالذين سيشتركون بمحبةِ المسيحِ المصلوبِ سيشركُهم بانتصارِهِ على الموت، أما الذين يفتقدون هذه الخبرةَ فهم مدعوون أن يختبروها بملءِ حريتِهم، وأنا متأكدٌ أنهم سيشعرون بانتصارِهم الحقيقيِّ على الموتِ وبعيشهم الأبديةَ مع المسيحِ، وستضمحلُّ غمامةُ الظلمةِ للموتِ من لمعانِ نورِ قيامةِ المسيح

***

إنَّ التكّبرَ وكلَّ منتجاتِه، أي خطايانا المختلفة، يمنعون الإنسانَ أن يشتركَ في محبةِ وقيامةِ المسيحِ، لذلك دوماً ينقصُ المتكبرين الفرحُ الحقيقي وسلامُ النفس

كلُّنا لدينا القدرةُ لنتجنّبَ الخطيئة، ولكنْ يخطئُ الكلُّ بسببِ الضعفِ البشري، فيصعب على المتكبّرِ تجاوزُها، أما الإنسانُ المتواضعُ فلا يهدأ إن لم يتأكّدْ أنّ خطاياه غُفرت من خالقِه وأبيه. أهدرَ السيدُ دمَه “لمغفرةِ الخطايا”، ودمُه يطهّرُنا “من كلّ خطيئة” (1يو7:1) فهو يمنحُ رجاءً وفرحاً للإنسانِ التائب. فدمُ المسيحِ يطهّرُنا من الخطايا أياً كان نوعُها وحجمُها. المسيحيُّ الذي يعترفُ بخطاياه أمامَ المصلوبِ وأمامَ أبيه الروحي يعرفُ بالخبرةِ شعورَ المسامحةِ ويمتلئُ بالسلام الداخلي

***

بمقدارِ ما ينجرفُ الإنسانُ وراءَ الاهتمامات الحياتيةِ أو يبتعدُ عن اللهِ بسببِ خطاياه، مؤمناً كان أم لم يكن، يتأكدُ أنّه لا يستطيعُ أن يجدَ نفسَهُ حقيقةً داخلَ الحياةِ الماديةِ الباطلةِ والقصيرة. الإنسانُ كخليقةِ الله يعطشُ لشيءٍ كبيرٍ وأبديٍّ ومطلق، والسيدُ المسيحُ يوجّهُنا إلى الهدفِ الحقيقيِّ للحياةِ الذي هو الاتحادُ مع الله والتألّه، أي أنْ يصبحَ الإنسانُ إلهاً بالنعمة

***

يا أيها المؤمنون لنقوّيَ إيمانَنا ونقويَّ المحبة. والذين يصعبُ عليهم الإيمانُ فليهتمّوا بجديةٍ أكثرَ بشخصِ يسوعَ المسيح، ليقرؤوا كتابَه المقدس، ليتحاوروا مع إخوتِنا وكهنتِنا الذين يملكون علاقةً شخصيةً حقيقيةً مع السيدِ المسيح. والأهمُّ أنْ يضعوا جانباً المنطقَ الغريبَ وادّعاءَ الحداثة، ولْيعودوا أطفالاً ولْيذهبوا إلى الكنيسة بتواضعٍ ومحبةٍ ولْيشتركوا بالخِدَمِ الكنسيّةِ للأسبوعِ العظيمِ والفصحِ ولْيفرحوا معَ كلِّ النفوسِ البسيطة

أنا متأكدٌ أنّنا سنكونُ بخيرٍ بجانبِ السيدِ المسيحِ المصلوبِ والقائم. هناك سنشعرُ بالمحبةِ والمسامحةِ والفرحِ و السلامِ والقداسة. سنواجهُ به كلَّ مشاكلِنا الشخصيةِ والعائليةِ والاجتماعيةِ بقوةٍ أكبرَ واستنارةِ ونعمةِ الله

فليساعدْنا المصلوبُ والقائمُ أنْ نشتركَ في سرِّ الصليبِ وقيامتِه

الأرشمندريت سلوان أونر

اليونان

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger... [1]