- المنارة الأرثوذكسية - https://www.almanarah.net/wp -

التماس السماء

تجول في خاطري أسئلة كثيرة عن عيش ملكوت السماوات على الأرض، ولعل الأجوبة كثيرة في الكتاب المقدس، ومن بين تلك الأسئلة: كيف يمكن إلتماس السماء ونحن على الأرض؟

يقول القديس سيرافيم ساروف: “ابحث عن السلام الداخلي الذي فيك، عندها آلاف من البشر من حولك يخلصون”. ولكن كيف يجد الإنسان السلام الداخلي؟؟

المعنى الحقيقي ليكون الإنسان مسيحياً حقاً هو أن يعيش بسلام داخلي. قال السيد لتلاميذه: “سلاماً أترك لكم، سلامي أعطيكم، ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا. لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب”. (يوحنا 27:14) المسيح إله السلام، وأساس العيش معه هو السلام. حين تعيش بسلام داخلي فهذا يعني أنك تعيش مع المسيح، وبالتالي أنت في السماء تحيا وجسدك على الأرض. هذا السلام ليس مجرد فقدان النزاعات أو المشاكل، لا بل على العكس في خضم كل المنازعات والمشاكل نحتاج إلى السلام الداخلي.

السلام الذي يقدمه لنا السيد المسيح، ليس كأي سلام ناتج عن مفاوضات ومناقشات، وإنما هو سلام داخلي حقيقي قائم على أساس محبة الله لنا، فيأتي من الله بعد جهادٍ صبور ضد ضجيج شرور العالم. السلام العالمي ليس السلام الحقيقي لأنه قائم على هدنة واتفاقية لا على أساس المحبة التي تعطي مجاناً سلاماً أبدياً آتياً من السماء، يكون شيئاً أساسياً في حياة المؤمن بالمسيح وليس حالة استثنائية مؤقته. (كنتيجة صحيحة لعلاقته مع الله).

السلام الذي يقدمه لنا السيد هو تذوق مسبق لملكوت السموات. وكأننا نتذوق حلاوته ونحن على الأرض.

هذا التذوق للسلام الحقيقي الآتي من المسيح هو لحظات ننتقل بها إلى الملكوت.

هذا السلام يحررنا من الخوف. لا يوجد شيء يُضْعف النضوج الروحي مثل الخوف. الخوف يدفعنا إلى التراخي. والسيد يمنحنا السلام الداخلي لكي يحررنا من هذا الخوف. وعندما يمنحنا الرب هذا السلام نلاحظ مقدار عمل نعمته في حياتنا، وعندها نشعر بمقدار حاجتنا لها باستمرار. ونحن نتسآءل كيف استطاع ويستطيع القديسون مواجهة الإضطهادات والاستشهاد بفرح وهدوء وسلام؟ والجواب هو السيد المسيح الذي يمنحهم هذا السلام في هذه اللحظات الصعبة وكل لحظة في حياتهم.

عندما نلتمس نعمة الله في حياتنا ندرك أنها تعتمد على اتكالنا عليه، فهو مخلصنا وسنَدنا في لحظات الضعف والقوة. كاتب المزامير يقول: “هؤلاء بالمركبات وهؤلاء بالخيل. أما نحن فاسم الرب الهنا نذكر”. (مز7:20). عندما نركّز اهتمامنا على الرب كمصدر لخلاصنا وسعادتنا، عندها نشعر بالإطمئنان الدائم أن الله بجانبنا، ولن نخاف شيئاً بسبب اتكالنا على الله.

بالنهاية هذا السلام يملؤنا بالأمل. لا شيء يجلب الأمل بالمستقبل مثل الروح التي تحيا بسلام. أما عندما تكون روحنا مليئة بالاضطرابات يبدو المستقبل شيئاً خطيراً ومخيفاً. أن تكون مليئاً بسلام المسيح فهذا يسمح لك أن تواجه المستقبل بثقة. الله يعرف أين أنا ذاهب وسيعتني بي. بالحقيقة هو يحبني أكثر مما أحب أنا نفسي.

هكذا نلتمس السماء بأن نبدأ الإتكال على الله فيزول الخوف والاضطراب من حياتنا ونصلي مجاهدين فيعطينا الله من نعمته هذا السلام الداخلي الذي يخوّلنا أن نلتمس العيش معه ونحن على الأرض، لأنه هو إله السلام.

الأرشمندريت سلوان أونر

اليونان

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger... [1]
2 Comments (Open | Close)

2 Comments To "التماس السماء"

#1 Comment By Haleem Sharback On 16/03/2009 @ 10:09 ص

شكراً أبونا على هذه المقالة المميزة، حقيقة موضوع الاتكال على الله هو أجمل وأهم خطوة في انطلاقة المسيحي في ميدان الجهاد (برأيي الشخصي)، وجميل أن نتكلم عنه بشكل موسع لكي نفهم كيف نتكل على الله بشكل حقيقي دون أن “نصيّر الحرية فرصة للجسد” فنتخاذل.

شكراً

#2 Comment By زياد خوري On 27/03/2010 @ 11:36 ص

الله معك ياابونا سلوان
ان السلام الحقيقي هو ان نعيشه في احلك الظروف حولنا
طلب من ملك ان يضع لوحة تمثل السلام على متحف السلام فعرض عليه لوحتان احدها تمثل الهدوء والصفاء والسماء الصافية والطبيعة الجميلة والاخرى كانت ماطرة وقلقة و عواصف فاختار الملك اللوحة الثانية فاستغرب الناس ولكن الملك قال انظروا الى عش العصافير خلف الشلال انه يعيش بسلام رغم كل ظروف السيئة
الله معك