- المنارة الأرثوذكسية - https://www.almanarah.net/wp -

شجرة الصلاة والمحبة

لطالما كان يشغلني في الأعياد حال هؤلاء الذين لا يعرفون معنى العيد وأفراحه، لأسبابهم الخاصة أو أمراضهم أو مشاكلهم الحياتية اليومية، والذين يشغلني بالخصوص شباب اليوم وكيف يمكنني أن أساعدهم؟

وجدت نفسي أنني مكتوف الأيدي ولا أستطيع إلا بشكل محدود جداً أن أُساعدهم، ولكن الرب العلي الذي يرى ويعرف كل شيء يستطيع أن يفعل الكثير، وأنا كلي ثقة أنه قادر ويريد، فالأصلي لهم عند الرب علّه يسمع صوتي أنا الخاطئ ويساعدهم.

الصلاة الحقيقية الكاملة يمكن أن تتحقق، بأن تصلّي ليس فقط لأهلك وأقاربك وأصدقائك بل لهؤلاء الذين لا تعرفهم أيضاً، الذين بحاجة لمعونة حقيقة من العلي، عندها تمتزج صلاتك مع المحبة وتصل إلى الذروة. عندما نريد أن نصلي، حتى أنا الكاهن عندما أذكر في صلاتي على المذبح، نذكر الذين نعرفهم، ولكن ألا يوجد غير الذين نعرفهم بحاجة لصلاتنا؟ نعم بالتأكيد لذلك علينا جميعاً أن نصلي لكل شباب العالم الذين يعانون من المرض أو الجوع أو الفقر أو يعيشون في ظل الحروب بلا أمل، ولكل إنسان فقد عائلته أو بيته أو رزقه، ولكل طفل ضائع أو جائع…

في المسيحية يوجد خلاف بين فئتين من المؤمنين، الأولى تعتبر بأن الشجرة هي من العبادات الوثنية بكل ما تحوي، وأن عيد ميلاد السيد هو في الكنيسة فقط، وأخرى تعتبرها تعبير رمزي عن ميلاد السيد، وتحتاجها لتتذكر بميلاد السيد المسيح على الأرض وبأن الحياة مليئة بالأفراح، وهي لا ترى بأن وضع الشجرة يُنسيهم المولود الحقيقي، وحتى لو بالغوا قليلاً بمظاهر العيد.

ككاهن في قرية صغيرة يظهر فيها هذا الخلاف جلياً واضحاً فما العمل؟

إن السؤال لطالما راودني كثيراً: هل يا ترى عندما نضع الشجرة ونضع أزراراً مضاءة مختلفة على شرفات البيوت نكون قد انحرفنا عن الطريقة الصحيحة للاحتفال بالعيد؟؟ هل يا ترى فرحة الطفل بميلاد المسيح متعلقة فقط بالشجرة أو بالأزرار المضاءة؟

طبعاً لا، وذلك إذا حافظنا على الجوهر ولم ننسى صاحب العيد، بأن نكون مشاركين مع الملائكة بالصلاة والتمجيد ومع المجوس بالعطاء والسجود داخل الكنيسة مع الجماعة المسيحية.

هاجسي الأول هو في شدّ المؤمنين نحو صلاة أوسع ومحبة أكبر وأكمل، والثاني أن أحلّ مشكلة القرية التي أرعاها حول وضع شجرة الميلاد أو لا، فأتتني فكرة بواسطتها أستطيع تنويه أبناء الرعية بأنهم قادرون على أن يرفعوا صلاتهم لتكون أوسع ولكي تقترن بالمحبة وأن ترتفع محبتهم لتصل إلى أقص درجاتها وتصبح محبة كاملة لا يشوبها الأنانية. وقلت لماذا لا نملئ شجرة العيد بصلوات أبناء الرعية؟؟ فبدل أن نضع زينة وكرات وأجراس فلنضع صلوات وطلبات صغيرة يكتبها أبناء الرعية صغاراً وكباراً بأيديهم لطفل المغارة سألينه ما يشاءون، لا متوقفين في صلاتهم عند الأهل والأقرباء بل متوجهين نحو شباب العالم الذين لا يملكون طعاماً ولباساً ودواءً وحناناً ومحبةً وللذين لم يعرفوا المسيح كإله أن يعرفوه أيضاً.

وهكذا كان…

ذهبت لمدرسة القرية، بعد أن قمت بتحضير قطع من الكرتون الصغيرة الملّونة، وشرحت الموضوع لمدير مدرسة القرية الذي رحّب جداً ووزّعها على الأطفال وأخذ كل طفل يكتب عباراته وصلاته بيده طالبين من طفل المغارة ما يشاءون من أجل كل العالم.

وجاء اليوم الموعود لتزين الشجرة، قُمنا بتركيبها وتزينها بأزرار مضيئة فقط، وقام كل طفل بتقديم صلاته و تعليقها على الشجرة، فرح الأطفال بهذا العمل لا يوصف، وفرحت جداً بأنني استطعت أن أنقل فكر وصلاة الطفل نحو العالم بأجمعه ليحب حتى الذي لا يعرفه.

قديماً قادت النجمةُ المجوسَ نحو طفل المغارة فسارعوا وقدّموا له الهدايا، أما اليوم فالذي يقوم بهذا الدور هي الكنيسة، لذلك استبدلنا النجمة التي تعلو الشجرة بصورة عن كنيسة القرية وقلنا بأن الكنيسة هي التي تجمع صلاتنا وتقودنا نحو طفل المغارة ونحو الخلاص.

في هذا الميلاد أتمنى للجميع أن يعلّقوا على شجرة العيد صلاة ما تخطر ببالهم لطفل المغارة من أجل خلاص العالم وليسمّوا شجرتهم كما أسميناها نحن في رعيتنا: “شجرة الصلاة والمحبة”.

وكل عام وأنتم بخير

الأرشمندريت سلوان أونر

ميلاد 2007

اليونان

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger... [1]