- المنارة الأرثوذكسية - https://www.almanarah.net/wp -

لماذا أيتها البشرية؟

انتقل إلى الأخدار السماوية المثلث الرحمات غبطة رئيس أساقفة الكنيسة اليونانية خريستوذولوس يوم الإثنين 28/01/08، إنسان خدم الكنيسة بكل جوارحه وبكل ما أعطاه الله من قوة. شاء الرب أن أتعرّف عليه في حياته عندما جاء لزيارة معهد القديس يوحنا الدمشقي، وذلك في إطار زيارته للكرسي الأنطاكي سنة 1999، في يومه الأول وبعد انتهاء كل اللقاءات الرسمية عاد في المساء إلى المعهد (حيث مكان إقامته) وكان طلاب المعهد في انتظاره لأخذ البركة. هو، ومن بعد خروجه من السيارة مباشرة، نزع عنه ملابسه الرسمية (القلّوسة واللاطية والجبة والصليب والأنكولبيون)، وبعد أن أخذنا البركة التففنا حوله وبدأنا عفوياً نرتل قدوس الله بالتناوب هو يميناً باللغة اليونانية وشباب البلمند يساراً، كان جواً مفعماً بالصلاة العفوية لتمجيد الله. بساطته أعطتنا انطباعاً رائعاً عن هذا الشخص العظيم.

منذ وفاته بدأ التلفزيون اليوناني بكل محطّاته يُقدم برامج ولقاءات وريبورتاجات عن رئيس الأساقفة مظهرين بشكل جلي وواضح كل جوانب حياته الإيجابية، شارحين عن حياته من مولده حتى وفاته. وقاموا بعرض المحطات الصعبة في فترة تولّيه منصب رئاسة أساقفة اليونان وكيف واجهها، وهنا جاءني الاستغراب: أنتم الذين في السابق كنتم تحاربونه وتقفون ضدّه وضد الكنيسة، في كل تصرّف أو حركة أو قرار، الآن أصبحتم مُعجبين بفكر رئيس الأساقفة خريستوذولوس وما قدّمه للكنيسة وللمجتمع اليوناني وللعالم؟ أنتم الذين وصلتم في وقت لتطلبوا منه أن يستقيل عن رئاسة الأساقفة تقولون اليوم بأنه كان إنساناً رائعاً!؟

كل هذه الريبورتاجات عن أعماله لماذا لم تعرضها هذه المحطات التلفزيونية في أيام حياته ليرى العالم كله ماذا تفعل الكنيسة من خير لكل من حولها؟

لماذا لم تنصفوه إلا بعد وفاته؟

هم حاربوه كثيراً، ليس لأن يعمل أعمال سيئة لا بل لأنه كان يحاول أن يحمي الكثير من أبناء الكنيسة من الانحدار نحو أحضان الجحيم.

للأسف، الكثير منا يحارب الآخر لا لأنه سيء بل لأنه يعاكس فكره أو لا تعجبه طريقته في العمل أو الكلام أو التصرف، ويدّعي أنه لا يحارب الشخص بل الفكر أو التصرف ليحمي نفسه من خطيئة الدينونة. المحاربة مهما كانت أشكالها فهي في تضاد مع المحبة، فإذا كان هناك شخصٌ له رأيه الخاص المناقض لرأيك، لا يعني أن يختفي من الوجود، وأن لا تراه في حياتك مرة ثانية!!! كل هذا مناقض لتعليم المسيح عن المحبة. المحبة لا تقوم في عزلة بل تفترض وجود الآخر، كائناً من يكون، يكفي الإنسان أن يكون شخصاً لا فرداً، فالشخص يرى الآخر ويحس بوجوده أم الفرد فيتمركز حول ذاته ولا يرى سواها.

هكذا لخص المسيح الناموس والأنبياء قائلاً: “تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك. هذه هي الوصية الأولى والعظمى والثانية مثلها تحب قريبك كنفسك” (متى 37:22-40).

إن ” ثقافة المحبة والتسامح ” التي نادى بها المسيح في تعاليمه، لا تتجاوز فقط الحدود القومية والدينية والنوع والجنس ذكرًا أم أنثى، أو اللون أسود أم أبيض، أو القوام الجسمانى سليم أم مُعاق، ولكن  تتطلب المحبة نحو العدو، هذه المحبة قد صاغها المسيح بقوة خاصةً في الموعظة على الجبل: ” سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك، وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم.. باركوا لاعنيكم.. أحسنوا إلى مبغضيكم.. وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم..” (مت43:5ـ48). هذه المحبة مؤسسة على أن أى إنسان مهما كان لم تسقط عنه الهوية السماوية ولم يتوقف عن أن يكون إنسانًا مخلوقًا على صورة الله ومثاله، وفي هذا الإطار علينا أن نحب الآخر أيًا كان موقفه تجاهنا حتى لو كان عدوًا لنا. وهذا ما فعله المسيح فوق الصليب عندما طلب المغفرة لصالبيه.

تبدو وصية المسيح بمحبة الأعداء صعبة جدًا للإنسان العادى الذي لم يختبر بعد قوة المُصالحة: ” ولكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح” (أف13:2). هكذا يؤكد بولس الرسول على عنصر المُصالحة التى تمت بين اليهود والأمم (الأعداء بالنسبة لليهود): ” ونقض حائط السياج المتوسط أى العداوة مبطلاً بجسده ناموس الوصايا فى فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا صانعًا سلامًا، ويصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب قاتلاً العداوة به” (أف14:2ـ16). فالمصالحة تمت بين البشر والله وبين البشر فيما بينهم، وذلك بعمل المسيح الفدائى. وأصبح في مقدور المسيحي أن ينال هذه القوة، أى قوة المُصالحة من المسيح نفسه لكى يستطيع أن يحب حتى الأعداء، فلا يوجد بالنسبة للمسيحى آخر يعتبره عدوًا، ولا تتولد عنده مشاعر الكره والبغضة تجاه آخر، فهو مثل سيده يطلب المغفرة لمن يسيئون إليه. وموقف المسيحي ليس سلبيًا بل إيجابيًا، إذ يبادر في صُنع الرحمة تجاه الآخر ويحبه ويعتبره كائنًا وشخصًا يستحق أن يُحب لذاته، لأن المسيح سبق وأحبه وبذل نفسه لأجله.

نفهم من كل هذا الحديث عن محبة الأعداء كيف يجب أن تكون محبتنا لأخينا وكم مقدارها، فلنتوقف عن محاربة الآخر لأجل أفكارنا ومصالحنا، فلنتوقف عن جعل الكثير من إخوتنا أعداء، بسبب تصرفاتنا وكلامنا.

فلماذا أيتها البشرية تغرّبين نفسك عن ما خُلِقتِ،كصورة لله؟

لماذا هذه الازدواجية في التعامل مع القضايا والأمور الحياتية الكنسية والعامة؟

هل لأن المحبة ناقصة؟ ممكن، والحل الواحد والوحيد: بأن نرتشف من نبع المحبة، السيد المسيح، بواسطة كنيسته ونعمة الروح القدس.

الأرشمندريت سلوان أونر

اليونان

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger... [1]
2 Comments (Open | Close)

2 Comments To "لماذا أيتها البشرية؟"

#1 Comment By carol On 01/03/2011 @ 8:07 م

ابونا: لست اعلم ان كان من اللائق ان ابدي رأيا على مقالة كتبت منذ زمن.لكن الكلام رائع بالفعل. لانستطيع ان نطلب المحبة من احد اذالم نقدمها له نحن اولا.كتاباتك عن المحبة معبرة جدا لانها نابعة من قلب محب معطاء ارجو من الله ان تبقى نبعا فياضانرتوي منه على الدوام.اذكرنا بصلواتك.

#2 Comment By الأب سلوان On 02/03/2011 @ 9:51 ص

شكرا كارول
طبعاً يمكننك التعليق على أي مقال، ويمكن أن تكون هناك مقالات لم تأخذ حقها
صلواتك