- المنارة الأرثوذكسية - https://www.almanarah.net/wp -

فضيلة التواضع الثمينة

[1]

“أحد الفريسي والعشّار”

“…مَنْ وضع نفسَه ارتفع”

في المقطع الإنجيلي لهذا اليوم، مَثَلْ الفريسي والعشّار، وضع الرب شَخصيتين متناقضتين جنباً لجنب، أي المتكبرة والمتواضعة، الأولى تميّزت بالكبرياء(نبع الخطيئة) والثانية بالتواضع (أمْ الفضائل كُلّها). من جهة تكبّر الفريسي بأعماله الحسنة من أعمال رحمة أو صوم، ومن جهة أخرى تواضع العشّار بسبب خطاياه. الأول متكبر والثاني مُنسحق القلب. سنحاول أن نرى على ماذا استند العشّار لكي يخرج مبرراً:

1. صلاة العشّار المتواضعة

كانت صلاة العشّار ذات خاصية مميزة فعند دخوله المعبد أحنى رأسه وقرع صدره ووقف في آخر المعبد وصرخ: “اللهم أرحمني أنا الخاطئ” (لو13:18). قرَع صدره، حيث القلب، لأنه نبع الأفكار الشريرة التي تتحول فيما بعد إلى أعمال شريرة، “لأَنْ مِنَ الْقَلْبِ تَخْرُجُ أَفْكَارٌ شِرِّيرَةٌ: قَتْلٌ ، زِنىً ، فِسْقٌ ، سِرْقَةٌ ، شَهَادَةُ زُورٍ ، تَجْدِيفٌ” (متى 19:15). لم يتجرأ أن يرفع رأسه نحو السماء، لأنه قد مرمر الله بأعماله، كل كلمة قالها بتواضع عناها وشعر بها، وعندما رفعه الله لم يأخذ بعين الاعتبار فقط أقواله بل انسحاق قلبه وتواضع فكره.

2. لوم العشّار لذاته

إن لوم الذات هي فضيلة من الفضائل المؤدية للتواضع، وذلك بأن نلوم أنفسنا على الخطايا التي نرتكبها، وهذا ما فعله العشّار. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم بأنه لا يوجد دواء أفضل لغفران خطايانا من لوم الذات، وذلك بأن نتذكّر باستمرار خطايانا ونلوم ذواتنا بسببها. حالة الإنسان الداخلية، كمعرفة الذات ولومها ودموع التوبة والتواضع، تؤثر بشكل مباشر على خلاصه. الذي يلوم نفسه لا يستطيع أن يُدين الآخر، يجد نفسه فقط ملامَاً. التواضع ولوم الذات هما المحركان اللذان سينقلاننا إلى السماء. يشبِّه القديس غريغوريوس بالاماس هذه الحالة بالملائكة الذين تغلبوا على كل الضعفات البشرية.

3. التواضع هو أساس حياتنا الروحية

تواضع العشّار لم يكن حالة أخلاقية اجتماعية، كما هي حالة أغلب المتواضعين منّا. يشبّه  القديس باسيليوس الكبير تواضعنا هذا بـ “الجرائم المشرقة”. أغلب أعمالنا هي خارجية وهدفها حب الظهور. نعتقد أنه بأعمالنا سنُبرَّر، لدينا ثقة بالنفس مبالغ فيها، لا نترك مجالاً للروح القدس كي يعمل فينا، نحاول تبرير ذواتنا بأعمالنا. إنّه لخطير في الحياة الروحية أن تكون شهرتنا أكبر من فضائلنا. فقط التواضع، وليس الكلام عن التواضع أو التظاهر بالتواضع، يجعلنا نرى فضائل الآخرين وخطايانا. الإنسان الذي يُريد أن يَخلُص عليه أن يلبس رداء التواضع. المتواضع ليس ذاك الذي نُشفق عليه بل الذي يساعدنا على معرفة حالتنا الداخلية فنميّز أهوائنا ونطلب رحمة الرب. بدون هذه الفضيلة لا نتقدم روحياً.

مثالنا في التواضع هو السيد المسيح الذي تنازل ولبس طبيعتنا البشرية لكي يرفعنا إليه. لا شيء يستحق أن نتكبر من أجله من ممتلكات وأراضي أو جمال أو أي مكانة اجتماعية، كل شي له بداية ونهاية ما عدا الله هو أبدي.

إخوتي دعونا نُفْرغ ذواتنا ونبحث عن أهوائنا لنتنقى منها ونقترب من الله، عائشين بنعمته، متذوقين الملكوت السماوي منذ الآن. التواضع يجعل من أنفسنا أدنى من الآخرين ولكنه يُشير لله أننا نملك شيئاً جيداً، هذه الدرجة فلنقتنيها.

الأرشمندريت سلوان أونر

اليونان

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger... [2]