- المنارة الأرثوذكسية - https://www.almanarah.net/wp -

أنجاهد روحياً أمم ننظّر جهادياً؟

SignsOfObedience

تحقيق مثال الله وسط معترك الحياة مع الضعف البشري ومحاولات الشيطان الدائمة تخلق لنا ساحة معركة، إن شئنا أم أبينا. يجاهد الإنسان وسط هذه المعركة إلا أن صموده لا يستمر إلا لوهلة صغيرة إذا اعتمد فقط على قوته الشخصية وعندها لا محالةَ يخسر هذه المعركة بسرعة.

الإنسان المسيحي يتسلّح بأمرين: بمعونة الله والفضائل المسيحية الآتية منه، تحدث بولس الرسول عن هذه الفضائل فقال: “وأما نحن الذين من نهار فلنصح لابسين درع الإيمان والمحبة وخوذة هي رجاء الخلاص” (1تس 8:5).

نتحدث كثيراً عن الجهاد الروحي دون الدخول في تفاصيل هذا الجهاد وأسلوب العراك، خوفاً أو جهلاً أو تهرّباً أو ربما لكل هذه الأسباب مجتمعةً، وبعضها أسباب غير معيبة لأنها مرتبطة بالطبيعة البشرية الضعيفة غير الخبيرة في هذه المعركة بأغلبيتها، والخروج منها منتصرين يتم بتعلم فنونها بالاعتماد على نعمة الله.

الجهاد المتجاوز الفكر والكلام إلى العمل هو الجهاد الحقيقي، فمثلاً البخيل عليه أن يعطي ولو من حاجته، لا أن يكتفي بفكرة واجب العطاء أو بالكلام عنه فعند ذلك فقط يكون قد انتقل من التنظير إلى العمل. أما الإنسان الشره مثلاً فعليه في لحظة مرور الطعام من أمامه أن لا يمدّ يده فيأكل ولو عبرت الفكرة في ذهنه فيحاربها عارفاً ضعفه طالباً أن يداويه. كل إنسان لديه ضعف ما وبالتالي هناك شكلٌ موافق لجهاده الخاص.

البعض منا، وخاصة الذين يعملون في التعليم الديني، يعتادون على استخدام كلمات وأفكار ونقلها للآخرين متوقفين عند هذا الحد وهذا ما أردت تسميته التنظير الجهادي. ليس الخطأ أن تعلّم، لا بل وينبغي أن تبشر، إنما الخطأ أن يبقى لديك الفكر الجهادي، الذي سيقدّسك، حالةً فكرية كلامية دون الخوض في عيشه والتدرب لامتلاك الخبرة الحقيقة الناتجة عن ساحة المعركة الحقيقية.

لدى الآباء القديسين الخبرة الحقيقة لهذه المعركة كونهم جاهدوا حقيقةً فتقدّسوا، نحن نقرأ سيرتهم ونتعلّم أسلوب جهادهم في المعركة فنكتسب خبرة روحية ما تكون حاضرة أمامنا لاستخدامها ساعة دخولنا المعركة. البعض يقول إننا لا نستطيع فعل ما قام به القديسون لأننا بشر ضعفاء وعصرنا مختلف عن عصرهم….. من بعض الجوانب هذا صحيح ولكن أغلب الأمر هذا تهرّب من الجهاد لأنه يحتاج إلى تعب وبذل العرق والدم ربما، ولهذا يفضل البعض أن يتغنّوا فرحين بانتصارات القديسين متناسين أنهم مدعوون أن يكون من صفوفهم وبالنتيجة يغرقون بالتنظير ويبتعدون عن الواقع الجهادي وعن ساحة المعركة مستسهلين الموت الروحي على التعب في الجهاد.

في النهاية كلّما ابتعد الإنسان مع فكره عن المواجهة الحقيقية للشيطان والأهواء الشخصية كلما ابتعد عنه الخلاص واقتربت منه الخطيئة مع الموت الروحي، فما علينا سوى خوض أي معركة حقيقةً متسلّحين بنعمة الله القادرة على فعل كل شيء.

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger... [1]
12 Comments (Open | Close)

12 Comments To "أنجاهد روحياً أمم ننظّر جهادياً؟"

#1 Comment By بيار القبرصي On 22/05/2009 @ 9:47 ص

المسيح قام حقاً قام
شكراً أبونا على هذه المقالة الغنية.
إن مشاغل العصر الذي نعيش فيه تطغى بشكل قوي على فكرنا.نمط الحياة صار سريعاً جداً في كل شيء مما يساعد في تشتيت الأفكار، فوقت العمل يبدأ باكراً حتى الليل، و هناك متطلبات الحياة والعائلة و… كل هذه ليست حجج لكي نبعد عن الجهاد. ولكن ربما نحن بحاجة ماسة إلى الدعم الروحي المستمر، كمثل هذه المقالة و محاضرات روحية و نشاطات مع الكنيسة…، لكي نتذكر ونعيش من جديد الأفعال و الأقوال التي أسسها المسيح و تلميذه. أعتقد أنا هذه المقالات الغنية أو محاضرات تكون كمثل الوقود لروح تعبة أو نار الإيمان الخفيفة.
أتكلم عن نفسي، حين أكون ضعيفاً أو بعدت فترة عن العمل في الكنيسة، أشعر بضعف فألجأ إلى أخبار النساك أو ابائنا القديسين فأشعر بإمتلاء الروح من جديد.
فشكراً من جديد على هذه الكتابة الممتلئة من نعمة المسيح

#2 Comment By جورج On 22/05/2009 @ 10:27 ص

المسيح قام… حقاًقام

في البدء أود أن أشكر الأب سلوان على هذه المقالة الصغيرة و الغنية.
الحقيقة أن الأنسان بطبيعته البشرية هو انسان ضعيف جدا أمام الأهواء و الشهوات و ملذات العيش و صعوبات الحياة , و في هذا العصر المسيحيين الذين هم على درجة جيدة من الإيمان و ليس درجة ( ممتازة) هم قليلون للأسف.
ان الأنسان لديه الإستطاعة أن يجاهد روحيا و يصلي في كل وقت و في أي مكان و لكن اذا أراد ذالك !!! فلا أعتقد أن العمل أو العائلة و مشاغل الحياة المتنوعة تمنعنا أن نصلي أبسط صلاة و أقوى صلاة,الصلاة القلبية أعني صلاة الرب يسوع , ( ياربي يسوع المسيح إرحمني أنا عبدك الخاطئ ) نحن نعلم انا الحياة و مشاغلها خاصة في هذا الزمن تزداد صعوبة, بهذه الصلاة و صل الكثير من المسيحيين ان كانوا من الرهبان أو الكهنة أو العلمانيين الى درجة روحيا أوصلتهم الى القداسة, بهذه الصلاة اللتي قوتها لا تحد و مفعولها لا ينتهي, مع كل نبضة لقلبهم رددت صلاة الرب يسوع , فنحن يا أخوة نسطيع فعل ذلك اذا اردنا لأن القديسيين الذين سبقونا هم بشر عاديين مثلنا لأننا كلنا مدعون للقداسة التي هي هدف كل إنسان مسيحي على حسب قدرته و إستطاعته .

اذكرونا بصلواتكم

#3 Comment By بيار القبرصي On 22/05/2009 @ 1:49 م

المسيح قام . . .حقاً قام,

أخ جورج أشكرك و اشكر الله لم قلته.
أنا اشاركك الرأي كلياً, ولكن أنا لم أقصد سابقاً أن العائلة والعمل يمنعان الصلاة, بل قصدت تبعدنا أو تلهينا عن ما يجب القيام به في سبيل المسيح. فأردت أن أقول أن ما كتبه أبونا سلوان هو ما يغذي روحانا من جديد و يوقد نار الإيمان.
أسأل الله أن يبقينا مستعدين و مسلحين بالإيمان,

صلواتكم,

#4 Comment By رودي سلوم On 22/05/2009 @ 7:09 م

المسيح قام، حقاً قام
أبتي العزيز سلوان، أشكر جهودكم وشغفكم لإنارة دروبنا بمحبة الله، وأمجد الله على ما أعطاكم من مواهب.
موضوع الجهاد الروحي هو أمرٌ قد يبدو غريباً أو غير مرغوبٍ به ممن لم يتذوقوا حتى الآن حلاوة الله، ونحن بدورنا إن كنا قد تذوقنا تلك الحلاوة علينا أن نجد الطريق المناسب لكي ننقل إليهم فكر الجهاد ونجعله جزءاً لا يتجزأ من واقع حياتهم، فمثلاً السيد المسيح لم يكن يبشر عامة الشعب عن طريق اللاهوت والكلام عن الفضائل وأهميتها في حياتنا وكيفية إقتنائها وما إلى ذلك، بل كان يتبع أسلوباً أبسط عن طريق المعجزات واستخدام واقع حياتهم لرفعهم إلى مستوى أعلى في علاقتهم مع الله، فكذلك كما أعتقد علينا إتباع هذه الطريقة لنقل هذا الجهاد إلى الآخرين وجعله عملياً شرعياً كما قال بولس الرسول.
فأنا مع هذه الطريقة إن كان هذا حدّها، أي أنها طريقة مبدئبة لننتقل إلى المسار الصحيح، ولست معها إن زادت عن حدها وأصبحت الوسيلة الوحيدة والهدف.
هذا ولن نتمكن من اقتناء الجهاد الصحيح إن لم نمتلك فكر المسيح الذي هو الصليب، ونحمل هذا الفكر معنا أينما ذهبنا، فيلازمنا كنفَسنا، وبذلك نعمل كما يريد الرب الذي قال “احمل صليبك واتبعني”.
فعلّ ربنا يهبنا هذا الجهاد المقدس وهذا الفكر الجليل، فنشهد له في هذا العالم الشرير. آمين.

اذكروني في صلواتكم

#5 Comment By الأب سلوان On 23/05/2009 @ 1:41 م

اشكر الجميع والإخوة الذين شاركونا بآرائهم وما أضافوه لإغناء المقال
كل شخص منا له حياته الخاصة ووفق نمط الحياة التي يعيش يتعين اسلوب جهاده ونوعه وهنا يأتي دور الأب الروحي كي يساعد بترتيب هذا الأسلوب أو النمط الجهادي
والغذاء الروحي له اصنافه وأشكاله، وكل واحد لديه اسلوبه في النمو الروحي ولكن النبع واحدة، السيد المسيح
أما تحديد بأي مستوى أنا فيه من التقدم الروحي فهذا أمر حساس جداً
فكلما تقدمت روحياً سترى نفسك أكثر الناس خطأة وبالتالي سترى نفسك آخر الناس روحياً ولم تسبق أحداً
الذهاب إلى الكنيسة أو حتى العمل فيها لا يجعلنا افضل من الآخرين الذين لا يذهبون أو يخدمون بل يفتح لنا المجال لنكون خدّاماً للمسيح وبالتالي نسلك كخدّام يحاولون أن يتعلّموا التواضع

شكرا بيار وجورج ورودي على ما أغنيتمونا به

#6 Comment By george abdelly On 23/05/2009 @ 2:33 م

نعمة وسلام رب المجد ربنا و مخلصنا يسوع المسيح لشخصكم الموقر و لجميع الاخوة المؤمنين
اشكرك يا ابى على هذه المقالة وهى الجهاد اللروحى
السيد المسيح قال لتلاميذه اسهروا و صلوا و السهر فى تعليمه هو السهر الروحى بمعنى الجهاد الروحى فى حياتنا فى ارض غربتنا … و الذى يسهر و يجاهد فى حياته هو الانسان الروحى يسلك و يحيا حياة الروح لا حياة الجسد و يسير فى طريق صعب طريق وعر هو الطريق الروحى
انا شغوف لقراءة المزيد من هذه الماضيع و خصوصا عن
1-الانسان الروحى
2-معالم الطريق للحياة الروحية

#7 Comment By ashrafishak On 24/05/2009 @ 1:55 م

المسيحيه روح وحياة والمسيح له المجد هو الاله المتجسد وهناك مايسمي بوحده العمل بين الايمان والاعمال ويوجد الروح القدس الرب المحيى الذى ياخذ من المسيح ويعطي لنا وتوجد الاسرار المقدسه كما يجب ان نعلم ونؤمن ان كل ما فعله المسيح له المجد في جسده الخاص من موت وقيامه وتجديد للطبيعة وخلود وغيرها اصبح لنا وتجد ايضا كلمه الله المقرؤه والصلاه بعد كل ما سبق يكون الجهاد سهل وبدون ما سبق يكون الجهاد مستحيلا صلوا من اجلى دمتم معافين في الثالوث القدوس

#8 Comment By زياد خوري On 04/04/2010 @ 9:47 م

الله معك ابونا سلوان
المسيح قام حقا قام
من وجهة نظري الجهاد الروحي يجب ان يسبقه جهاد مادي اي ان الانسان يجب اول ان يعيش التنظيم في حياته من ناحية العمل والطعام والشراب ومواعيدها حسب موقع الشخص في الحياة
فعندما ارتب سريري كل يوم هي حركة جهادية ممهدة عندما افرشي اسناني كل يوم هي حركة جهادية ممهدة النوم في مواعيد مبكرة حركة جهادية
القناعة باللباس حركة جهادية ممهدة والنظافة والترتيب هو حركة جهادية ممهدة
فعندما يشعر الانسان نفسه من الناحية الحياتية مرتاح فانه سينطلق لملاقاة المسيح بروح قد تهذبت وانتظمت وجسد قد تروض
فكيف اجهاد روحيا وحياتي متخبطة بامور تافهة
ياختصار الانتسان الروحي هو قبل كل شي انسان ملىء بالحياة عرف مايريد منها ولم يكتف بالقول بل بالفعل
من علم وعلم يدعى صغيرا في ملكوت الله ومن علم وعمل يدعى كبيرا في ملكوت الله
والرب يكون معكم

#9 Comment By fouad On 04/02/2011 @ 8:06 م

ابتى العزيز:لا ادري أهي صدفة أم تدبير أن اقرا هذه المقالة بعد مقالة الوصايا الاساسية.بالفعل في اغلب الاحيان نحن ننظر على انفسنا..على اولادنا…على كل من حولنا دون ان ننتبه.لكن ومن خبرة بسيطة جدا جدا ….لا نستطيع ان نؤثر بكلامنا او نوصل اي فكرة حتى لو كانت صغيرة ان لم نكن نعيشها بحياتنا.الجهاد الروحي صعب لكنه ليس مستحيل لكن من الضروري ان يكون المجاهد ملاحقا دائما من ابيه الروحي كيلا يتهاون و يتراخى.لانه كي يصل الى مرحلة الجهاد لا بد ان ينعم بابوة روحية…صلواتكمابونا

#10 Comment By الأب سلوان On 05/02/2011 @ 7:40 ص

شكرا فؤاد
معك حق
أريد أن أنوه إلى شيء وهو قضية ملاحقة الأب الروحي لأبناءه، لأنه صعب قليلاً، هو أكيد سيذكره في صلاته ولكن على الابن أن يذهب لأبيه باستمرار ويطلب المنفعة منه لضمان الإستمرار فيجب عدم الإنتظار على الأب أن يتصل بالإبن باستمرار. أعرف أنه صعب لكن يجب عدم الإكتفاء بموضوع ملاحقة الأب لأبنه بل على الإبن أن يلتصق بأبيه.
ما رأيك؟

#11 Comment By fouad On 05/02/2011 @ 3:25 م

مرحبا ابونا:شكرا على التوضيح.بالفعل على الابن الروحي ان يبقى ملتصق بابيه لكن ما اعاني منه انا انه ابتعدنا مكانيا انا وابتي الجليل .اتصل معه بين مدة اخرى والتقيه في السنة مرة واحدة و ربما في السنتين.اشعر بضرورة وجوده لكن الظروف هكذا شاءت .لا استطيع التخلي عنه لاني بالدرجة الاولى اثق به ومن ثم احبه جدا ومن جهة اخرى فانه رافقني منذ مدة طويلة.لست مستعدا لان اعود وابدا من الصفر.فالفكرة مرفوضة والحاجة له كثيرة .فاتعزى احيانا بثقتي باني بصلاته .هذا ما يقويني.لكن اتسائل هل بعدي عنه يجعله ينسى بنوتي له. صلواتكم ابونا

#12 Comment By الأب سلوان On 09/02/2011 @ 11:09 م

الله معك
نأسف للتأخير بسبب الإنشغالات
يجب التمييز بين الأب الروحي وأب الإعتراف حيث يمكننا أخذ أب إعتراف عندما لا نستطيع التواصل مع الأب الروحي بالشكل المطلوب فتتصل به لتأخذ منه إذن الإعتراف من أب آخر وعندها تستطيع بالمرة التي تلتقيه بالسنة، أن تخبره عن السنة كلها. وتكون بذلك قد وجدت من يساندك روحياً وبقي الأب الروحي من تريد.
صلواتك