- المنارة الأرثوذكسية - https://www.almanarah.net/wp -

محبة الله العظمى

[1]

“أحد الابن الضال”

يُعتبر مَثل الابن الضّال، الذي نقرأه هذا الأحد في الكنيسة، مِن قِبلْ المفسرين، لؤلوة ثمينة بين أمثال السيد أو إنجيلاً داخل الإنجيل. البعض أسماه مَثل الابن الأكبر، وبالحقيقة كان موقف هذا الأخير مميزاً، فعند عودته إلى البيت أخبروه بعودة أخيه الأصغر، فلم يرغب بالدخول إلى البيت وتذمّر على أبيه بأنه ظلمه بدون حقّ. تذمُّرُه كان بأنّه يعمل ليل نهار ولم يتقاضى أجراً على عكس أخيه، الابن الضال، الذي صرف أمواله على الزنى، وبالنهاية عندما رجع قُبل بحفاوة كبيرة. دخل بعلاقة حقوقية مع أبيه. وبشرياً لديه حق، إذ أخذ أخاه الكثير وعاد بلا شيء، أما هو فلم يُعطَ سوى أنه يسكن البيت الأبوي. ولكنه لم يفهم أن القوانين البشرية تختلف، وأحياناً بالكلّية، عن الإلهية. لنرى من هو الابن الأكبر في مثل الابن الضال:

من هو الابن الأكبر؟

بعض المفسّرين يشبّهون الابن الأكبر بالفريسين وتذمّره بتذمّرهم. لأن الكثير من العشّارين والخطاة قد تبعوا المسيح وسمعوه والكثير منهم تابوا، هذا الأمر لم يُعجب الفريسين. “فَتَذَمَّرَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ قَائِلِينَ: ((هَذَا يَقْبَلُ خُطَاةً وَيَأْكُلُ مَعَهُمْ ! ))” (لوقا 2:15). والتذمّر على المسيح من قبل الفريسين كان حالة مستمرّة، لذلك حاول المسيح بأمثال، مثل الخروف الضال أو الدرهم الضائع، أن يخاطبهم ويغير آرائهم. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “علينا الاهتمام بخلاص أخينا”، أي كل شيء مسموح لخلاص أخينا، فكل نفس مهمة بعين الله حتى أنه قدّم ابنه ضحية، الحمل المذبوح، لننال الخلاص. فلماذا نتذمّر إذا نال أخينا الخلاص، ولو كان أكبر الخطاة؟ فدعونا نفرح لخلاص الجميع لأن الله هكذا يريد.

مفسرون آخرون يشبّهون الابن الأكبر بالمؤمنين العاملين في الكنيسة، هؤلاء الذين يحتملون تعب النهار وحرّه ويعملون في حقل الرب منذ الساعة الأولى، مطبّقين وصايا الله، فيطالب البعض منهم أن يطبّق العدل، أن يُكافأ الأبرار ويُعاقب الأشرار. عليهم أن يعرفوا أن الله الذي يعيشون بقربه هو ذو رحمة عظمى، يسامح، ومباشرة، هؤلاء الذين يعودون إليه تائبين، ويمنحهم النعم ذاتها التي يمنحها للقديسين. هم يحتجّون بأن الله يرحم الخطاة بشكل مفرط، هنا يظهر لنا الاختلاف الكبير بين عدل البشر وعدل الله، الملكوت واحد ولجميع التائبين.

يخطئ المؤمنون!

إن الكثير من المؤمنين الذين يعملون في الكنيسة ويخدمون فيها لا يتقبلّون كيف من الممكن للخطاة أن يتوبوا ويغيّروا حياتهم وبالنهاية أن يخلصوا. يظنّون أن لديهم دالة لدى الرب أكبر من الخطاة. هم قاموا بأعمال حسنة وكثيرة ولم يخونوا ثقة الله فيهم، هكذا يقولون. لكن يأتي السيد ليقول لنا أن عمل التوبة هو أهم من أعمال الخير، التي نعتقد أنها الأفضل. يقول القديس كيرللس الإسكندري أن القداسة هي نتيجة نعمة الله المُعطاة للإنسان وليس نتيجة أعمال الإنسان الخيّرة الكثيرة أو القليلة.

تختلف المقاييس البشرية، التي تحكم وتبرّر وفقاً لما يحدده الإنسان، كُلياً عن المقاييس الإلهية، التي يحددها الله وفق معيار محبته للإنسان، فوفقاً للمعايير البشرية السارق أو الزاني أو العشّار… يجب أن لا يخلص، ولكن وفقاً لمحبة الله الغير المحدودة ولعدالته الكاملة يخلص. يقول القديس إسحق: “يمكن أن تعتقدوا أن الله عادل ولكنه بالأغلب هو صالح وخيّر”. ويقول الأب باييسيوس أنّ تنهدنا الصادر من القلب هو أفضل من الصادر من مشاعرنا أو دموعنا. فلنتقرّب من الله بتواضع محطّمين كبريائنا لنخلص، متنهّدين من القلب ومعتبرين أنفسنا أكبر الخطاة، شاكرين لله ومصلّين إيه أن يرحمنا ويرحم كل التائبين.

الأرشمندريت سلوان أونر

اليونان

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger... [2]