إنجيل المخلّع

“المسيح طبيب النفس والجسد”

“مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هَذَا قَطُّ!”

عاش السيد المسيح على الأرض يتنقل بين أربع مدن أساسية، في بيت لحم، مدينة يهوذا، حيث ولد، ومدينة الناصرة “وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ حَيْثُ كَانَ قَدْ تَرَبَّى” (لو16:4)، لذلك سمّي بالناصري، ومدينة كفرناحوم حيث سكنها، ومدينة القدس التي صُلب فيها. اجترح فيها كلّها عجائب كثيرة أما أعجوبة اليوم، إنجيل هذا الأحد، فحدثت في كفرناحوم التي وصفها متى الإنجيلي بمدينته: “وَجَاءَ إِلَى مَدِينَتِهِ” (متى1:9). وحول هذه الأعجوبة سنتحدث.

الشعب من حوله:

يصف مرقس الإنجيلي كيف اجتمع الناس من حوله عند دخوله بيتاً في كفرناحوم: “وَلِلْوَقْتِ اجْتَمَعَ كَثِيرُونَ حَتَّى لَمْ يَعُدْ يَسَعُ وَلاَ مَا حَوْلَ الْبَابِ” (مر2:2). أما لوقا الإنجيلي فيحدد من هم هؤلاء الناس: “وَكَانَ فَرِّيسِيُّونَ وَمُعَلِّمُونَ لِلنَّامُوسِ جَالِسِينَ وَهُمْ قَدْ أَتَوْا مِنْ كُلِّ قَرْيَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ وَالْيَهُودِيَّةِ وَأُورُشَلِيمَ” (لو17:5). والكثير منهم جاؤوا ليشفوا من أمراضهم. بالوقت ذاته كان مجتمعاً حوله الكثير من أعدائه. هؤلاء كانوا مرضى بالغيرة والحسد، وهو حاول شفائهم بوسائل كثيرة، وواحدة منها هي حادثة شفاء المخلّع. شفى المخلّع من مرضه القاسي والصعب على أمل أن يشفوا هم أيضاً من أمراضهم الكثيرة.

أكمل قراءة بقية الموضوع »

التأم المجمع المسكوني السابع المنعقد سنة 787 م وفيه أقرّ آباء الكنيسة بأن على المؤمن المسيحي أن يكرّم الأيقونة ولا يعبدها. أما من ناحية الخلاف حول موضوع الأيقونة فلم ينتهي إلا في الأحد الأول من الصوم سنة 843م، حيث قامت الكنيسة بإشهار تكريم الأيقونة فيها بشكل نهائي وهكذا انتهت الحرب التي شنّها بعض الأباطرة البيزنطيين على الأيقونات. ودعت الكنيسةُ هذا الأحد الأول من الصوم أحد الأرثوذكسية كعيد جامع لانتصار العقيدة المستقيمة بخصوص الأيقونات المقدسة وتكريمها.

بالعودة لموضوع الأرثوذكسية، لطالما تساءلتُ من هو الشخص الأرثوذكسي؟ هل يكفي أن يكون هو ذاك الشخص المولود من أب وأم أرثوذكسيين؟ بالمعنى التقليدي كل معمَّد أرثوذكسياً هو أرثوذكسي. ولكن بما أن الأرثوذكسية ليست اسماً أو هوية أوصفة بل حياة أو ما يسمى بالإيمان فالبعضُ يطلب أن تسمى بـ”الإيمان الحيّ”، وإذا كانت حية في الإنسان فهو أرثوذكسيّ. إذاً وفق ما سبق، يكون أرثوذكسياً كلُّ من يجعل إيمانه حيّاً كالذي عاشه الرسل وماتوا من أجله. فلنبحث عن الجوانب الثلاثة لعلاقة هذا الأرثوذكسي مع الكنيسة والآخر والله ولنتأكّد من استقامة رأيه.

الأرثوذكسي و الكنيسة: أكمل قراءة بقية الموضوع »

محبة الله العظمى

“أحد الابن الضال”

يُعتبر مَثل الابن الضّال، الذي نقرأه هذا الأحد في الكنيسة، مِن قِبلْ المفسرين، لؤلوة ثمينة بين أمثال السيد أو إنجيلاً داخل الإنجيل. البعض أسماه مَثل الابن الأكبر، وبالحقيقة كان موقف هذا الأخير مميزاً، فعند عودته إلى البيت أخبروه بعودة أخيه الأصغر، فلم يرغب بالدخول إلى البيت وتذمّر على أبيه بأنه ظلمه بدون حقّ. تذمُّرُه كان بأنّه يعمل ليل نهار ولم يتقاضى أجراً على عكس أخيه، الابن الضال، الذي صرف أمواله على الزنى، وبالنهاية عندما رجع قُبل بحفاوة كبيرة. دخل بعلاقة حقوقية مع أبيه. وبشرياً لديه حق، إذ أخذ أخاه الكثير وعاد بلا شيء، أما هو فلم يُعطَ سوى أنه يسكن البيت الأبوي. ولكنه لم يفهم أن القوانين البشرية تختلف، وأحياناً بالكلّية، عن الإلهية. لنرى من هو الابن الأكبر في مثل الابن الضال:

من هو الابن الأكبر؟

بعض المفسّرين يشبّهون الابن الأكبر بالفريسين وتذمّره بتذمّرهم. لأن الكثير من العشّارين والخطاة قد تبعوا المسيح وسمعوه والكثير منهم تابوا، هذا الأمر لم يُعجب الفريسين. “فَتَذَمَّرَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ قَائِلِينَ: ((هَذَا يَقْبَلُ خُطَاةً وَيَأْكُلُ مَعَهُمْ ! ))” (لوقا 2:15). والتذمّر على المسيح من قبل الفريسين كان حالة مستمرّة، لذلك حاول المسيح بأمثال، مثل الخروف الضال أو الدرهم الضائع، أن يخاطبهم ويغير آرائهم. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “علينا الاهتمام بخلاص أخينا”، أي كل شيء مسموح لخلاص أخينا، فكل نفس مهمة بعين الله حتى أنه قدّم ابنه ضحية، الحمل المذبوح، لننال الخلاص. فلماذا نتذمّر إذا نال أخينا الخلاص، ولو كان أكبر الخطاة؟ فدعونا نفرح لخلاص الجميع لأن الله هكذا يريد.

مفسرون آخرون يشبّهون الابن الأكبر بالمؤمنين العاملين في الكنيسة، هؤلاء الذين يحتملون تعب النهار وحرّه ويعملون في حقل الرب منذ الساعة الأولى، مطبّقين وصايا الله، فيطالب البعض منهم أن يطبّق العدل، أن يُكافأ الأبرار ويُعاقب الأشرار. عليهم أن يعرفوا أن الله الذي يعيشون بقربه هو ذو رحمة عظمى، يسامح، ومباشرة، هؤلاء الذين يعودون إليه تائبين، ويمنحهم النعم ذاتها التي يمنحها للقديسين. هم يحتجّون بأن الله يرحم الخطاة بشكل مفرط، هنا يظهر لنا الاختلاف الكبير بين عدل البشر وعدل الله، الملكوت واحد ولجميع التائبين.

يخطئ المؤمنون!

إن الكثير من المؤمنين الذين يعملون في الكنيسة ويخدمون فيها لا يتقبلّون كيف من الممكن للخطاة أن يتوبوا ويغيّروا حياتهم وبالنهاية أن يخلصوا. يظنّون أن لديهم دالة لدى الرب أكبر من الخطاة. هم قاموا بأعمال حسنة وكثيرة ولم يخونوا ثقة الله فيهم، هكذا يقولون. لكن يأتي السيد ليقول لنا أن عمل التوبة هو أهم من أعمال الخير، التي نعتقد أنها الأفضل. يقول القديس كيرللس الإسكندري أن القداسة هي نتيجة نعمة الله المُعطاة للإنسان وليس نتيجة أعمال الإنسان الخيّرة الكثيرة أو القليلة.

تختلف المقاييس البشرية، التي تحكم وتبرّر وفقاً لما يحدده الإنسان، كُلياً عن المقاييس الإلهية، التي يحددها الله وفق معيار محبته للإنسان، فوفقاً للمعايير البشرية السارق أو الزاني أو العشّار… يجب أن لا يخلص، ولكن وفقاً لمحبة الله الغير المحدودة ولعدالته الكاملة يخلص. يقول القديس إسحق: “يمكن أن تعتقدوا أن الله عادل ولكنه بالأغلب هو صالح وخيّر”. ويقول الأب باييسيوس أنّ تنهدنا الصادر من القلب هو أفضل من الصادر من مشاعرنا أو دموعنا. فلنتقرّب من الله بتواضع محطّمين كبريائنا لنخلص، متنهّدين من القلب ومعتبرين أنفسنا أكبر الخطاة، شاكرين لله ومصلّين إيه أن يرحمنا ويرحم كل التائبين.

الأرشمندريت سلوان أونر

اليونان

فضيلة التواضع الثمينة

“أحد الفريسي والعشّار”

“…مَنْ وضع نفسَه ارتفع”

في المقطع الإنجيلي لهذا اليوم، مَثَلْ الفريسي والعشّار، وضع الرب شَخصيتين متناقضتين جنباً لجنب، أي المتكبرة والمتواضعة، الأولى تميّزت بالكبرياء(نبع الخطيئة) والثانية بالتواضع (أمْ الفضائل كُلّها). من جهة تكبّر الفريسي بأعماله الحسنة من أعمال رحمة أو صوم، ومن جهة أخرى تواضع العشّار بسبب خطاياه. الأول متكبر والثاني مُنسحق القلب. سنحاول أن نرى على ماذا استند العشّار لكي يخرج مبرراً:

1. صلاة العشّار المتواضعة

كانت صلاة العشّار ذات خاصية مميزة فعند دخوله المعبد أحنى رأسه وقرع صدره ووقف في آخر المعبد وصرخ: “اللهم أرحمني أنا الخاطئ” (لو13:18). قرَع صدره، حيث القلب، لأنه نبع الأفكار الشريرة التي تتحول فيما بعد إلى أعمال شريرة، “لأَنْ مِنَ الْقَلْبِ تَخْرُجُ أَفْكَارٌ شِرِّيرَةٌ: قَتْلٌ ، زِنىً ، فِسْقٌ ، سِرْقَةٌ ، شَهَادَةُ زُورٍ ، تَجْدِيفٌ” (متى 19:15). لم يتجرأ أن يرفع رأسه نحو السماء، لأنه قد مرمر الله بأعماله، كل كلمة قالها بتواضع عناها وشعر بها، وعندما رفعه الله لم يأخذ بعين الاعتبار فقط أقواله بل انسحاق قلبه وتواضع فكره.

2. لوم العشّار لذاته

إن لوم الذات هي فضيلة من الفضائل المؤدية للتواضع، وذلك بأن نلوم أنفسنا على الخطايا التي نرتكبها، وهذا ما فعله العشّار. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم بأنه لا يوجد دواء أفضل لغفران خطايانا من لوم الذات، وذلك بأن نتذكّر باستمرار خطايانا ونلوم ذواتنا بسببها. حالة الإنسان الداخلية، كمعرفة الذات ولومها ودموع التوبة والتواضع، تؤثر بشكل مباشر على خلاصه. الذي يلوم نفسه لا يستطيع أن يُدين الآخر، يجد نفسه فقط ملامَاً. التواضع ولوم الذات هما المحركان اللذان سينقلاننا إلى السماء. يشبِّه القديس غريغوريوس بالاماس هذه الحالة بالملائكة الذين تغلبوا على كل الضعفات البشرية.

3. التواضع هو أساس حياتنا الروحية

تواضع العشّار لم يكن حالة أخلاقية اجتماعية، كما هي حالة أغلب المتواضعين منّا. يشبّه  القديس باسيليوس الكبير تواضعنا هذا بـ “الجرائم المشرقة”. أغلب أعمالنا هي خارجية وهدفها حب الظهور. نعتقد أنه بأعمالنا سنُبرَّر، لدينا ثقة بالنفس مبالغ فيها، لا نترك مجالاً للروح القدس كي يعمل فينا، نحاول تبرير ذواتنا بأعمالنا. إنّه لخطير في الحياة الروحية أن تكون شهرتنا أكبر من فضائلنا. فقط التواضع، وليس الكلام عن التواضع أو التظاهر بالتواضع، يجعلنا نرى فضائل الآخرين وخطايانا. الإنسان الذي يُريد أن يَخلُص عليه أن يلبس رداء التواضع. المتواضع ليس ذاك الذي نُشفق عليه بل الذي يساعدنا على معرفة حالتنا الداخلية فنميّز أهوائنا ونطلب رحمة الرب. بدون هذه الفضيلة لا نتقدم روحياً.

مثالنا في التواضع هو السيد المسيح الذي تنازل ولبس طبيعتنا البشرية لكي يرفعنا إليه. لا شيء يستحق أن نتكبر من أجله من ممتلكات وأراضي أو جمال أو أي مكانة اجتماعية، كل شي له بداية ونهاية ما عدا الله هو أبدي.

إخوتي دعونا نُفْرغ ذواتنا ونبحث عن أهوائنا لنتنقى منها ونقترب من الله، عائشين بنعمته، متذوقين الملكوت السماوي منذ الآن. التواضع يجعل من أنفسنا أدنى من الآخرين ولكنه يُشير لله أننا نملك شيئاً جيداً، هذه الدرجة فلنقتنيها.

الأرشمندريت سلوان أونر

اليونان

لماذا أيتها البشرية؟

انتقل إلى الأخدار السماوية المثلث الرحمات غبطة رئيس أساقفة الكنيسة اليونانية خريستوذولوس يوم الإثنين 28/01/08، إنسان خدم الكنيسة بكل جوارحه وبكل ما أعطاه الله من قوة. شاء الرب أن أتعرّف عليه في حياته عندما جاء لزيارة معهد القديس يوحنا الدمشقي، وذلك في إطار زيارته للكرسي الأنطاكي سنة 1999، في يومه الأول وبعد انتهاء كل اللقاءات الرسمية عاد في المساء إلى المعهد (حيث مكان إقامته) وكان طلاب المعهد في انتظاره لأخذ البركة. هو، ومن بعد خروجه من السيارة مباشرة، نزع عنه ملابسه الرسمية (القلّوسة واللاطية والجبة والصليب والأنكولبيون)، وبعد أن أخذنا البركة التففنا حوله وبدأنا عفوياً نرتل قدوس الله بالتناوب هو يميناً باللغة اليونانية وشباب البلمند يساراً، كان جواً مفعماً بالصلاة العفوية لتمجيد الله. بساطته أعطتنا انطباعاً رائعاً عن هذا الشخص العظيم.

منذ وفاته بدأ التلفزيون اليوناني بكل محطّاته يُقدم برامج ولقاءات وريبورتاجات عن رئيس الأساقفة مظهرين بشكل جلي وواضح كل جوانب حياته الإيجابية، شارحين عن حياته من مولده حتى وفاته. وقاموا بعرض المحطات الصعبة في فترة تولّيه منصب رئاسة أساقفة اليونان وكيف واجهها، وهنا جاءني الاستغراب: أنتم الذين في السابق كنتم تحاربونه وتقفون ضدّه وضد الكنيسة، في كل تصرّف أو حركة أو قرار، الآن أصبحتم مُعجبين بفكر رئيس الأساقفة خريستوذولوس وما قدّمه للكنيسة وللمجتمع اليوناني وللعالم؟ أنتم الذين وصلتم في وقت لتطلبوا منه أن يستقيل عن رئاسة الأساقفة تقولون اليوم بأنه كان إنساناً رائعاً!؟

كل هذه الريبورتاجات عن أعماله لماذا لم تعرضها هذه المحطات التلفزيونية في أيام حياته ليرى العالم كله ماذا تفعل الكنيسة من خير لكل من حولها؟

لماذا لم تنصفوه إلا بعد وفاته؟

هم حاربوه كثيراً، ليس لأن يعمل أعمال سيئة لا بل لأنه كان يحاول أن يحمي الكثير من أبناء الكنيسة من الانحدار نحو أحضان الجحيم.

للأسف، الكثير منا يحارب الآخر لا لأنه سيء بل لأنه يعاكس فكره أو لا تعجبه طريقته في العمل أو الكلام أو التصرف، ويدّعي أنه لا يحارب الشخص بل الفكر أو التصرف ليحمي نفسه من خطيئة الدينونة. المحاربة مهما كانت أشكالها فهي في تضاد مع المحبة، فإذا كان هناك شخصٌ له رأيه الخاص المناقض لرأيك، لا يعني أن يختفي من الوجود، وأن لا تراه في حياتك مرة ثانية!!! كل هذا مناقض لتعليم المسيح عن المحبة. المحبة لا تقوم في عزلة بل تفترض وجود الآخر، كائناً من يكون، يكفي الإنسان أن يكون شخصاً لا فرداً، فالشخص يرى الآخر ويحس بوجوده أم الفرد فيتمركز حول ذاته ولا يرى سواها.

هكذا لخص المسيح الناموس والأنبياء قائلاً: “تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك. هذه هي الوصية الأولى والعظمى والثانية مثلها تحب قريبك كنفسك” (متى 37:22-40).

إن ” ثقافة المحبة والتسامح ” التي نادى بها المسيح في تعاليمه، لا تتجاوز فقط الحدود القومية والدينية والنوع والجنس ذكرًا أم أنثى، أو اللون أسود أم أبيض، أو القوام الجسمانى سليم أم مُعاق، ولكن  تتطلب المحبة نحو العدو، هذه المحبة قد صاغها المسيح بقوة خاصةً في الموعظة على الجبل: ” سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك، وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم.. باركوا لاعنيكم.. أحسنوا إلى مبغضيكم.. وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم..” (مت43:5ـ48). هذه المحبة مؤسسة على أن أى إنسان مهما كان لم تسقط عنه الهوية السماوية ولم يتوقف عن أن يكون إنسانًا مخلوقًا على صورة الله ومثاله، وفي هذا الإطار علينا أن نحب الآخر أيًا كان موقفه تجاهنا حتى لو كان عدوًا لنا. وهذا ما فعله المسيح فوق الصليب عندما طلب المغفرة لصالبيه.

تبدو وصية المسيح بمحبة الأعداء صعبة جدًا للإنسان العادى الذي لم يختبر بعد قوة المُصالحة: ” ولكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح” (أف13:2). هكذا يؤكد بولس الرسول على عنصر المُصالحة التى تمت بين اليهود والأمم (الأعداء بالنسبة لليهود): ” ونقض حائط السياج المتوسط أى العداوة مبطلاً بجسده ناموس الوصايا فى فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا صانعًا سلامًا، ويصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب قاتلاً العداوة به” (أف14:2ـ16). فالمصالحة تمت بين البشر والله وبين البشر فيما بينهم، وذلك بعمل المسيح الفدائى. وأصبح في مقدور المسيحي أن ينال هذه القوة، أى قوة المُصالحة من المسيح نفسه لكى يستطيع أن يحب حتى الأعداء، فلا يوجد بالنسبة للمسيحى آخر يعتبره عدوًا، ولا تتولد عنده مشاعر الكره والبغضة تجاه آخر، فهو مثل سيده يطلب المغفرة لمن يسيئون إليه. وموقف المسيحي ليس سلبيًا بل إيجابيًا، إذ يبادر في صُنع الرحمة تجاه الآخر ويحبه ويعتبره كائنًا وشخصًا يستحق أن يُحب لذاته، لأن المسيح سبق وأحبه وبذل نفسه لأجله.

نفهم من كل هذا الحديث عن محبة الأعداء كيف يجب أن تكون محبتنا لأخينا وكم مقدارها، فلنتوقف عن محاربة الآخر لأجل أفكارنا ومصالحنا، فلنتوقف عن جعل الكثير من إخوتنا أعداء، بسبب تصرفاتنا وكلامنا.

فلماذا أيتها البشرية تغرّبين نفسك عن ما خُلِقتِ،كصورة لله؟

لماذا هذه الازدواجية في التعامل مع القضايا والأمور الحياتية الكنسية والعامة؟

هل لأن المحبة ناقصة؟ ممكن، والحل الواحد والوحيد: بأن نرتشف من نبع المحبة، السيد المسيح، بواسطة كنيسته ونعمة الروح القدس.

الأرشمندريت سلوان أونر

اليونان

العودة لبداية المدونة