يا ترى ماذا ينقصنا؟

من نافذة غرفتي أخذت أراقب الناس الذين يمشون في الخارج مسرعين، وكأنهم غاضبين من كثرة المطر، أو لعلهم يسرعون ليدركوا المحلات قبل إغلاقها، كانت الأوجه غير سعيدة وقلقة… وعندها تساءلت: “ما الذي ينقصنا؟ لماذا لا أرى أناساً فرحين، أو شباباً متزناً واثقاً من نفسه، أو أهلاً هادئين وواعين لتصرفاتهم كراشدين؟ وأيضاً: ما دمنا نملك -نظرياً- كل ما نريد في حياتنا، لماذا نشعر بفراغ كبير في داخلنا؟”

حاولت مناقشة هذا الأمر مع مجموعة من الشباب، عندها بدأنا نتلمس مشاكلَ كثيرةً سبباً للفراغ الكبير الذي نشعر به في داخلنا. لعل السبب هو أننا تعلمنا أن نواجه ما نريد من مشاكل حياتنا وليس ما لدينا منها، تالياً نشعر باليأس بسبب الإحباطات التي نتعرض لها.

إذا فكّرنا جدياً بالموضوع نرى أننا نتذمر دوماً ولأسباب كثيرة، نظراً لأنه ليس لدينا ما نريد من مال، أو لم ننَل علامات جيدة بالامتحانات، أو نظن بأن أهلنا لا يفهموننا، أو نريد تغيير الموبايل لنحصل على موديل أحدث…الخ فبدل أن نقدّر ما نملك- لأننا بالتأكيد نملك شيئاً- ماذا نفعل؟؟؟ نستمر بالتذمر والقول: “أريد المزيد!” كن على ثقة إذا امتلكت كل ما تريد وما ترغب به، فإن ذلك لن يملئ الفراغ الموجود في داخلك.

هل من الممكن أن تكون ضعفاتنا هي سبب كل ما نطلب؟ هذا ممكن، ولكن بالحقيقية علينا أن نتعلم ماذا نطلب؟ والطلب الحقيقي الذي يملي هذا الفراغ أن نطلب شخصاً لا شيئاً.  شخصاً يحبنا، يسندنا دوماً، يسمعنا عندما نتكلم، يهدّئنا عندما نبكي، يمكنه أن يكون صديقاً لنا، يقف بجانبنا عندما نتألم، يعطينا السعادة، يقبلنا على ضعفاتنا، يقوّينا ويعطينا نعمته، يعطينا ملكوته السماوي، وما ذكرناه آنفاً كله يكون فقط إذا اخترنا بحريتنا أن نعيش بقربه.

يكفي أن نفتح بوابة قلبنا لنعطيه فرصة أن يعطينا كل ما وعدنا به. عندها نكتشف بأننا لسنا بحاجة في هذه الدنيا إلا لهذا الشخص الذي هو الرب يسوع المسيح.

الأرشمندريت سلوان أونر

اليونان

العيشُ مع المسيح مبني على أساس قدرة الإنسان على أن يدعوه للسكنى في قلبه. فوجوده على شفاهنا أو على أوراقنا أو على جدراننا أو في متاحفنا، لا يعني أننا نعرفه، بل نتوصّل لمعرفته عندما يسكن في قلبنا، لأن المسيح هو المحبة، والقلب هو عرش المحبة.

إذا كان المسيح في قلبك، فهو إلهك. أما إذا كان موجوداً على شفتيك أو على أوراقك أو على جدرانك أو حتى في المتحف، فحتى ولو قُلتَ بأنه إلهك، فهو تسليتك وأنت لا تعرفه. فانتبه، لأن الذي يلعب ويتسلى مع الله لا يهرب من العقاب.

القلب، نظرياً، عضو صغير، ولكن يمكن أن يسكن فيه الله. فيصبح ممتلئاً، ولا يسع فيه أي شيء آخر. وإذا وضعتَ فيه العالم كله بدون الله فإنه يبقى فارغاً.

يا إخوة، دعوا المسيح وسيد الكون يسكن قلوبكم بالإيمان، فتمتلئ هذه القلوب، لأنه لن يسكنها بدون الإيمان. وإذا لم عندكم إيمان، فسيبقى المسيح على شفاهكم وفي أوراقكم وعلى جدرانكم وحتى في المتاحف التاريخية. لأنه ما الفائدة؟ ما الفائدة أن تضعوا معطي الحياة على شفتيكم والموت في قلبكم؟ لأنكم إذا احتفظتم بالعالم بأكمله في قلوبكم والمسيح على شفاهكم، عندها كأنكم تحتفظون بالموت في قلوبكم والحياة على شفاهكم. أسكِنوا المسيحَ الحيّ في قلوبكم وعندها ستشعرون بفرح لا يوصف.

أيها السيد القائم، طهِّر قلوبنا من الأهواء المميتة الممتلئ منها، وتعال أنت إليها، لنصبح أحياء ونمجدك. لأنه بك يليق المجد والشكر إلى الأبد.

أيها السيد القائم، أنر أذهاننا بنورك، لكي نقبل بسهولة أكبر محبتك غير المدركة نحو البشر، ونبكي من الحزن لقساوة قلوبنا وفساد ذهننا وشرّه، لكي نبكي من الفرح لمحبتك لنا، نحن الأشرار الفاسدين.

آمين

عظة عيد الميلاد 2006

ولِدَ المسيحُ على الأرض منذ ألفي عام، فمبدع الخليقة وخالق الكون، قدم لنا هدية لا تثمّن بأن تجسّدَ هو ابن الآب الوحيد على الأرض. لم يقدّم لنا الآبُ ممثلاً أو مندوباً عنه، بل ابنَه الوحيد الجالس معه على العرش الإلهي إذ يقول أشعياء النبي: “لا شفيعٌ ولا ملاكٌ بل السيّدُ بذاته خلصهم، لأنه أحبهم” (أشعياء 63)

هدية فريدة قدّمتَ لنا، أما نحن فماذا قدّمنا أو نقدّم؟

لقد أسأنا ونسيء إليه بخطايانا المستمرة، تغربنا ونتغربُ عن الهدف الذي خلَقَنا من أجله، وأيضاً خالفنا ونخالف وصاياه المقدسة الخلاصية. أليس هذا ما نفعله؟ ولكنه ليس بالموقف الصحيح.س

بولسُ الرسولُ يوضِحُ موضوعَ محبةِ الله للبشر في رسالته إلى أهل رومية قائلاً: “ولكنَّ اللهَ بيّن محبَّتَه لنا لأنه ونحن بعدُ خطأةٌ مات المسيحُ من أجلنا” (رو8:5)

هو من أجلنا -نحن الخطاة- أحدَرَ العلوياتِ نحو الأسفل كي يرفع السفلياتِ للعُلى.س

أخذَ الطبيعةَ البشريةَ لكي يهبَنا ما لا نملُكُه والذي من أجله خلقنا – التألُّه

كلماتُ القديس أثناسيوس الكبير، تلخّص كلَّ بشارةِ الإنجيل ووعظِ الكنيسة: “هو تجسَّدَ لكي نتألّه نحن” هذا هو السّرُّ العظيم: “الله ظهرَ في الجسد” (1تيمو16:3)

الآبُ السماوي قدّم لنا محبَّتَه. ولكن كيف تكون ردّةُ فِعلنا؟ ما هي هديّتنا له مقابلَ محبّته هذه؟

منذ ولادة المسيح في ذلك اليوم المبارك وحتى يومنا هذا، ينزل من سماه باحثاً عن مكان في قلوب البشر ليولَدَ فيها ويقدّسَها مساعداً إياها لتحقق الغاية الأساسية لخلقها- التأله. ولكن، يا ترى، هل سيجدُ مكاناً له؟؟ هل يوجد من هو مستعدٌ لاستقباله؟

في هذا العالم سيجد قلوباً متنوعةً ومختلفة فأيّها يختار؟؟

سيجد منها الباردةَ كالجليد، لا دفئ فيها، لأنها لا تعرف الصلاةَ أو قد تعرفها ببرودة قارصة، فهي مجرَّد كلمات تتردّد في الهواء ولا تفعل في مصلّيها شيئاً بل حتى ذكر اسم الله غير وارد فيها لا على العكس يسودها الكفرُ والتشنيعُ بالآخرين، وبالأخصّ لا تعرف المناولةََ الحقيقة لجسدِ المسيح ودمِه عن استحقاق، جسدِه الذي يشبه الجمرة التي تدفئ حاويها وتقدّسه. (أشعياء 6:6

وفي بحثه هذا سيجد أيضاً قلوباً جافة صحراوية إذ لا تعرف المحبة كأداة حقيقية للعيش مع أعضاء جسد المسيح، أو لا تعرف أنِّ فِعلَ الخير هو الذي يجمّل هذه الدنيا ويجعلها كفردوسٍ أرضي

أو سيجد قلوباً تشبه مدينةَ أشباحٍ فيها شياطين متربّعة في كل زاوية من زواياها، تخيفُ القادمين وتحوِّلُ صاحبَ القلبِ إلى عبدٍ لها ولشهواتِه

أو لعله سيجد مكاناً دافئاً متواضعاً فيدخُلُه ولكنه يجدُ المزودَ محطَّماً بسبب قلّةِ الصبر وعدم وجود الرجاء وبالتالي ليس مهيَّأً لكي يولَدَ فيه

وبالمقابل، أيضاً، سيجدُ قلوباً صامَت وصلَّت، فبالصومِ طردت ِالأرواحَ الشريرة

وسكَنَها روحُ اللهِ وبالصلاة اشتركت بجسد المسيح ودمه مذيبَةًًً كلَّ الجليد الموجود فيها بدفء دمِ المسيح وحرارةِ صلاتِها، وفعلَتِ الخيرَ وأحبّت وأعطَت فنبتَ في قلبها كلُّ شيء جميل، أي الفضائلُ، محوّلة الصحراءَ إلى جنّةٍ خضراءَ فردوسية

فلنهيّئ قلوبَنا للمولودِ الآتي بالصوم والصلاة والمحبة ولنستعدّ لاستقباله محتفلين بعيد ميلاده

لكنّ الغريبَ اليومَ يكمُنُ في طريقة احتفال العالم بعيد ميلاد السيد

الكلُّ يهيّئ بيتَه وينظّفُه ويزيِّنُه ويشتري ثياباً جديدة و يحضّر أطعمة كثيرة ليأكل هو وأصحابه وعائلته. ولكن ماذا سيقدّم لصاحبِ العيد؟؟

نحتفل بصاحب العيد بدون أن نقدم له شيئاً. أليس هذا غريباً؟

وماذا يرى صاحبُ العيد؟

أيرى التواضعَ والإيمانَ والمحبةَ والسلامَ التي وُلِدَ فيها؟

أم يرى مدناًً غرقت في الخطيئة؟؟

أم يرى بيوتاًً بُنِيَت على الإغراء وحبّ الذات؟

أم يرى مجداً وعظمةًً فارغة؟

هو فتح الطريقَ للتأله، ولكنّ المسؤولية على عاتقنا تقع، أنسلك فيه أم لا

على الذي يريد أن يسلك في هذا الطريق أولاً أن يستعدّ لاستقبال السيّدِ في يوم ميلاده

قديماً الطبيعةُ استقبلته بطريقتها

إذِ النجومُ أنارت والحيواناتُ قدَّمت له الدفءَ

الملائكةُ رتلت ممجدةً المولودَ الجديد

البشرُ رعاةً وملوكاً سجدوا له

أمّا نحن فلنهيّئ جميعاً مذودَنا الداخلي ليكون مكاناًً جاهزاً ليولَد فيه المسيح. هذه التهيئة تكون روحية صرفة، لا طعامٌ لا لباسٌ لا فرحٌ نعيشُه إلا ليكون تعبيراً عن فرحنا الداخلي بميلاده فينا وحضوره الدائم معنا

فالمؤمنون المسيحيون الذين يجاهدون الجهادَ الحسن بالتوبة والصلاة وتطبيق وصايا الله يتشبّهون بالمجوس الذين أتوا من الشرق وقدّموا هدايا للسيد ذهباً ولباناً ومراً. ويتشبّهون بالملائكة الذين يمجِّدون الله دوماً، يتشبّهون بالرعاة الذين سجدوا بتواضع

المسيح وُلِدَ فلنمجّده ولنسجُد له بطريقة صحيحة كما فعلَ الملائكةُ والرعاةُ والملوك

وكل عام وأنتم بخير

الأرشمندريت سلوان أونر

اليونان

تسالونيك

الشعلة التي ألهبتموها

لطالما أحببت العمل مع الشباب لأن كنت أرى فيهم تلك الروح الحية التي لا تقبل بالأمر الواقع الغير الصحيح، أو الجامد الغير الحي. راغبين أن يجددوا الماضي والحاضر ليكون المستقبل في أفضل حال. وكأنهم يحملون شعلة ملتهبة لا تنطفئ

ولطالما ناشدتهم بذلك، مركّزاً دوما على أن المستقبل لا يمكن أن يكون أفضل إن لم يكن الحاضر الذي يعيشونه نابض بالحياة ومتجدد بالروح القدس، و المستقبل الأفضل يكون بالعمل الجاد، باحثين ومجتهدين مقدّمين ما يمكن ولكـــــــن هنا كانت خيبة الأمـــــل!!!!!!!!!!

فعندما تسألهم ماذا أنجزتم حتى الآن؟ (وذلك في كل النواحي العلمية، الروحية، الشخصية الأجوبة مخجلة أو لا جـــــــــــــــواب لا الصلوات، لا الكتاب مقدس، لا الأسرار، لا الكتب الروحية، لا الكتب الفكرية أو العلمية الجادة، لا العمل في الكنيسة، لا حماية الأرثوذكسية من الذئاب الخاطفة، يشكلون شيئاً مهم في حياتهم

هذا كان يؤلمني. وكأن بالشعلة التي أراها بين يديهم تكاد أن تنطفئ. (أكتب هذا ونهران صغيران يتدفقان من عيناي يحرقان وجهي، من لوعة ما قد احترق في داخلي). هل بات الخمول والكسل والضياع و… من سمات شباب اليوم؟

لا لم أستطيع قبول ذلك وجاءني الجواب يوم 15 من تشرين الثاني، عندما سمعت عن أول محطة إذاعية على شبكة الانترنت واسمها الأرثوذكسية بالحقيقة تفاجئت أو لم أتوقع ذلك من شباب هذا اليوم. والشيء الثاني الذي فاجئني بأن يكون اسمها الأرثوذكسية. كنت أظن أنهم لا يعرفون هذه الكلمة أو حتى لا تهمهم. ولكن يا…أو من يعمل معكم من وراء الكواليس

شكراً جداً لأنكم حققتم ما كنت أحلم به. (مع العلم أنني لم أتوقع أنه سيتحقق) وثانياً لأنكم أثبتم ما أؤمن به من جهة الشباب أنهم دوما يجددون الماضي والحاضر ليكون المستقبل أفضل. وثالثاً أنكم ألهبتم الشعلة من جديد وأعطيتموها لهيب من الروح القدس لا ينطفئ أبداً في النهاية أتمنى من كل شباب كنيستنا الأرثوذكسية أن يحملوا الشعلة بين يديهم وهي ملتهبة بنعمة الروح القدس مقدسة حاملها ومنيرة له الطريق مهما كثر ظلامه بسبب قوة الشيطان التي تزداد يوما بعد يوم، وأن لا يقبلوها أن تخبوا يوما ما لي رجاء وثقة وأمل أنكم فاعلون ذلك.

الأرشمندريت سلوان أونر

تسالونيك اليونان

وقفتُ للحظاتٍ طويلةٍ مع نفسي متسائلاً ما هي الطريقةُ المثلى لوداعِ هذه السنة واستقبالِ السنة الجديدة؟ تساءلتُ كثيراً، والأجوبةُ كانت غزيرةً، إلا أنني لم أستطِعْ أن أُبعِدَ عن ذهني ما يحدثُ أو سيحدثُ لشبابِ هذا العالم. فهناك الكثير منهم يعيشونُ بألمٍ كبير. فماذا أستطيعُ أنْ أفعلَ لهم؟ كيف أساعدُهُم؟ تحيّرتُ، وفكرّتُ كثيراً، ورغم شعوري أنني لا أستطيعُ مساعدةَ هؤلاء المتألمين، إلا أنني وجدتُ أنَّ الحلَّ هو بيدِ الله وبيدِهم، ولكن يمكنني أنا أيضاً أن أفعلَ شيئاً – ودوري هامٌ جداً وفعّال- أستطيعُ وبحرارةٍ!!!! أن أصلّيَ لهم

فقرّرتُ أن أودّعَ هذه السنةَ وأنا أصلّي لشبابِ هذا العالمِ الذين يتألمون وأدعوكُم جميعاً أن تصلُّوا لأجلِهم، فكثيرٌ منهم يتعرضّون في حياتِهم لليأسِ والاعتداءِ والاستغلالِ والأمراضِ المستعصيةِ وللذين لم يعرفوا الربَّ بعدُ فاستحوذَ الألمُ على قلبِهِم وحوّلَ حياتَهم إلى جحيمٍ

هناكَ شبابٌ تعلّقوا بالمخدّرات فسيطرتْ على عقولِهم وتصرُّفاتِهم وحولّت حياتَهم إلى ألمٍ لا يتوقّف، إذ يفقدُون بتأثيرِها الشعورَ بالدنيا من حولِهم ويبدُون وكأنّهم موجودون في هذا العالم ولكنّهم لا يعيشون فيه

هناك شبابٌ يعيشون بفراغِ سبّبته مصاعبُ حياتِهم الخاصّة ولم يعرِفوا أنّ المسيحَ هو سَندُ حياتِهم وهو مخلّصُهم وشافيهِم ومالئُ كلّ حياتِهم بكلّ أملٍ ورجاءٍ وفرحٍ وبدونهِ تصبحُ الحياةُ فارغةً من معناها

وآخرون دمّرتِ الحروبُ بيوتَهم أو مدارسَهم أو جامعاتِهم فينظرونَ إلى المستقبلِ ولا يرون فيه أيَّ بصيصِ أملٍ بل يقتصرُ إحساسُهم بالسعادةِ في حياتِهم على أحلامِهم في ساعاتِ النوم فقط وعندما يستيقظون تكونُ الصدمةُ التي لا تُحتَمَل فيفكّرون بالانتحارِ وبعضُهم يُقدِمُ على قَتلِ نفسِه فيخسرون هذه الحياةَ والحياةَ الثانيةَ التي ينتظرُهم فيها المخلِّصُ

وهناك بالإضافةِ إلى ما ذكرناه أشياءُ أخرى كثيرةٌ تجعلُ من حياةِ شبابِنا ألماً مستمراً، وهم خاصةً في نموِّهِم العاطفي يتصرّفون كما يشاءون بدون الإصغاء إلى نُصحِ الكنيسة أو توجيهها، فتنمو عاطِفَتُهم بشكلٍ عشوائي مشوَّشٍ وبالنتيجةِ لا يعودون قادرين أن يأخذوا قراراتِهم عندَ اللزومِ بشكلٍ صحيح

ألا نعرفُ كلُّنا أنَّ لعبةَ الشيطانِ الحاليةِ هي إبعادُ الإنسانِ عنِ الله وتحويلِ قلبِه إلى صخرةٍ قاسيةٍ، إذ يجعلُه يرى محبةَ الآخرين بمقدارِ ما يقدّمونه له، فينسى الإنسانُ أنَّ الحبَّ هو عطاء صرف، ينسى أنّ اللهَ أحبَّنا حتى أنه بذَلَ ابنَه الوحيد من أجلِ خلاصِنا. وبقساوةِ قلوبِ البشرِ يصبحُ العالمُ أكثرَ عنفاً، ويسهِّلُ التدميرَ والقتلَ. فلهولاءِ الذينَ لم يتعلَّموا مِنَ السيّدِ أنّ المحبةَ هي بمقدارِ ما تُعطي وتضحِّي، وللذينَ قسَتْ قلوبُهم بسببِ العنفِ والغرورِ نقولُ إنّ محبةَ الإنسانِ الحقّةِ تتبلورُ في تقديمِه محبّتِهِ مجاناً للآخرين وهذا ما نريدُه بكلّ تأكيد لنا جميعاً ولكل شباب العالم

ولكن من أين يتأتّى الألمُ في الدنيا؟  نعتقدُ أنَّ مصادرَ الألمِ كثيرةَ ولكنْ يمكنُنا تصنيفُها إلى مصدرَين: الأولُ خارجيّ والثاني داخليّ. أمَّا الخارجيّ فيأتي من الشيطانِ والعالمِ من حولنا والداخليّ يأتي من خطايانا وضعفاتِنا.  فإنْ كان من الآخرين فاحرَصْ أن لا تكونَ أنت المسبّبُ لألمِ الآخر، وإن كان من الخطيئة فاحرَصْ أن تُعينَ نفسَك بالصلاةِ و الصومِ والمحبةِ و الاعتراف …. المهمُّ أن لا تكونَ أنتَ مصدرَ الألمِ في حياةِ الآخرين. ولكنَّ الألمَ في حياةِ الإنسانِ أمرٌ نسبيّ ومتبدّلٌ وهو أحدُ أوجُهِ الحياةِ بعدَ السقوط، ولكي تكتملَ رؤيتُنا الصحيحةُ للحياةِ والألمِ الذي يقاسيه الشبابُ في العالمِ ينبغي أن نتطلعَ إلى الوجهِ الآخرِ للأمور، أي إلى حضورِ الله في حياتِنا نحنُ البشر ووقوفِه الدائمِ إلى جانب خليقتِه. وليسَ أدلّ على تحرُّكِ اللهِ وانعطافِه للألمِ البشريّ من صورةِ يسوعَ المسيحِ في الكتابِ المقدس وحياةِ الكنيسة، إنه البلسمُ الشافي دوماً لكل آلامِ البشرِ وحاضرٌ دوماً ليجعلَ من آلامنا أمراً مقبولاً محتَمَلاً ويحوّلها إلى بركة في حياتنا من أجله حين نحتمِلُها بصبر. وبالنتيجةِ، للهِ دورٌ حاسمٌ في هذا الخصوص، ولنا نحنُ البشر دورٌ أساسيٌ بالصلاةِ والصومِ والصبر، فلنفعل ما نستطيعُ ولنترُك باقيَ الأمورِ لحكمةِ اللهِ ومحبتهِ اللتين لا تُحدَّان ولا تُوصَفان وانطلاقاً من محبةِ اللهِ لخليقتِه جميعاً ولكلِّ المتألمين في هذه الدنيا، ومن ضِمنِهم شبابُ العالم، نرفعُ جميعاً قلوبَنا إلى الله في نهايةِ العامِ المنصرمِ ونتطلعُ إلى تحنُّنِه وإشفاقِه عليهم وعلينا جميعا في العامِ الجديد ونبتهل قائلين
أيها الربُّ المتحنّنُ، نعرفُ أنكَ سريعُ الاستجابةِ لكلّ طالبيك. لقد علّمَنَا تلميذُك الحبيبُ يوحنا، إننا مهما طلبنا من الآبِ باسمِك وحَسْبَ مشيئتِك… فإنّه يسمعُ لنا على الفور يا لك من أبٍ رحيمٍ، لا تشاء أن يُذَلَّ أولادُك بتركِهم يتوسلون إليك دونَ أن تستجيب… علَّمتَنا هذا يا ربُّ في مثَلِ قاضي الظلم، بل وقد أوصيتَنا صراحةً أن لا نكرِّرَ الكلامَ باطلاً في صلواتِنا فنطلبُ إليكَ في هذا اليوم
” من أجلِ كلِّ شابٍّ قد تعلّقَ جسدياً أو روحياً بالمخدرات فآلمَته وأبعدَتهُ عن الخيرِ والمحبةِ

من أجل شفائه وخلاصه منها من أجلِ كلِّ شابٍّ مريضٍ فقَدَ الرجاءَ في هذه الدنيا فلَمْ تعُدِ الحياةُ بالنسبةِ له ذاتَ معنىً. فاشفِهِ يا ربُّ وعرّفهُ أنكَ قادرٌ على كلِّ شيء

من أجل كلِّ شابٍّ متألمٍ يشعرُ بفراغٍ في حياتِه، في فكرِه، في روحِه، في شخصيتِه وفي عاطفته، فلا يجدُ معنىً أو هدفاً لكلِّ أمرٍ يفعلُه فاملأ يا ربُّ قلبَه من روحِك القدُّوس، أنتَ المالئُ الكلَّ من أجلِ كلِّ شابٍّ دخلتِ القسوةُ إلى قلبِه فباتت كلماتُه، أفعالُه ونظراتُه فارغةً من الرحمةِ والحنانِ والعطف فأعطِه يا ربُّ أن يعرفَ التوبةَ كالقديسِ موسى الأسود

من أجل كلِّ شابٍّ دخلَ العنفُ إلى تصرفاتِه أو تعرّضَ للعُنفِ فتألَّمَ منه بسببِ طباعٍ صعبة أو إرهاقٍ أو مرضٍ عصبيّ أو غرورٍ فأعطِهِ يا ربُّ أن يعرفَ الحقَّ بك

من أجل أن تتعطّفَ وتتغاضى عن هفواتِ وخطايا شبابِ هذا العالمِ التي اجترموها في هذهِ السنةِ وتنظرَ إليهِم بعينِ الرأفةِ وترحمََهم من أجل أن توطّدَ أيها الربُّ إلهُنا روحَ السلامِ في العالم أجمعَ، وتثبّتَ شبابَ كنيستِك المقدّسةِ في الإيمان مبعداً عنهم كلَّ خللٍ و مرضٍ و جوعٍ و فقرٍ و فراغٍ، حافظاً إياهم من الأعداءِ المنظورين وغيرِ المنظورين.
آمين وكل عام وأنتم بخير

الأرشمندريت سلوان أونر

العودة لبداية المدونة